بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم,,,
مقال رائع للدكتور منصور الجمري, يحمل عنوان ” هزات ثقافية لأجنبي يعيش في البحرين “.
منصور الجمري

في حديث مع أوروبي جلس إلى جانبي في إحدى المناسبات الرسمية الأسبوع الماضي، سألته عن «الهزة الثقافية» التي ربما واجهته عندما قرر الانتقال للعمل في البحرين… وقبل التفصيل، فإن مصطلح «الهزة الثقافية» يطرح للنقاش في كثير من الدول كإحدى المهارات التي يتطلبها المرء وهو ينتقل للعمل من مكان إلى آخر، وذلك لأن سوق العمل أصبحت معولمة، والتحرك من منطقة إلى أخرى أصبح أكثر بكثير من السابق، وسهولة تحرك المرء من مكان إلى آخر تتطلب أن تكون لديه مهارات للتعامل مع الثقافات الأخرى التي تواجهه بين فترة وأخرى.
الأوروبي أجاب بأن أبناءه كانوا متعودين في بلدهم الأصلي على فصل أنواع القمامة (البلاستيك على حدة، والزجاج على حدة، والمعادن على حدة، والورق على حدة) ومن ثم توزيعها على حاويات مخصصة لإعادة تدوير المخلفات بهدف المحافظة على البيئة. وكان من أصعب ما واجهه أن يشرح إلى أولاده أن مثل هذا الاعتبار ليس مهماً في البحرين… بمعنى آخر، فإن من يعيش في هذا البلد ليس من اهتماماته الأولية المحافظة على البيئة.
وهناك أمور أخرى أيضاً… ففي أوروبا – والحديث للشخص الأوروبي – ليس لدينا خادمات، فالعائلة تشارك جميعها في أعمال المنزل، واكتشفت أن الأكثرية في البحرين لديهم خادمة واحدة على الأقل، واكتشفت أنه ليس هناك ما يمنع من تسلم الخادمة معاشاً لا يعادل شيئاً في حساب مستوى المعيشة الحقيقي في البحرين… وهذا شيء مستحيل في أوروبا، لأن قانون العمل هناك واحد، والحقوق المستوجبة لأي شخص في سوق العمل واحدة، سواء كان مواطناً أم أجنبياً… أما أنا فلدي الآن خادمة وأنا أحصل على معاش يعادل أكثر من مئة مرة مما تحصل عليه شهرياً، ولا يبدو أن هذا شيء مزعج بالنسبة إلى المجتمع في البحرين.
وأيضاً… اكتشفت أن من يستخدم الدراجة الهوائية في البحرين هم الفقراء فقط، بينما يركبها الجميع لدينا ويستمتع باستخدامها، كما أن الذين يستخدمون المواصلات هم الأجانب من العمالة الرخيصة أو الفقراء، بينما في أوروبا الجميع يستخدم المواصلات العامة… ويواصل: استغرب لماذا لا يتم استخدام الفائض المالي المتحصل من النفط لبناء سكة حديد صغيرة تربط كل المناطق بصورة سريعة وسهلة؟
وأيضاً… إذا كان لديك المال فأنت تعيش أحسن حياة في البحرين، وتعلم أبناءك في أفضل المدارس الخاصة، ولكن في بلادي يحصل الجميع تقريباً على هذا المستوى من الخدمات الحياتية، وليس من يكون معاشه أكثر من ألفين أو ثلاثة آلاف دينار فقط.
وأيضاً… لماذا يفكر الجميع تقريباً في الربح السريع، مع أن ثقافة البلد الدينية تحث على الرعاية والتكافل؟ فلو فكر بلد أوروبي بالتفكير نفسه (الربح السريع من كل مشروع عام أو خاص) فإن أوروبا لن تكون مختلفة عن الدول التي لم تنمُ. ثم لماذا يعتقد بعض البحرينيين بأن الأجانب عندما يزورون بلادهم فإنهم يبحثون عن مجمعات للتسوق مع أنها موجودة في كل أنحاء العالم؟ فالسائح عندما يزور بلداً ما يريد أن يعرف تراث وتاريخ وحاضر المجتمع في ذلك البلد، قبل أن يذهب إلى مجمعات التسوق.
كان يتحدث، وكنت أوافقه فيما يقول، وأشير إليه أننا نقول كل هذا، ولكن الآذان لم تعد تسمع ما نكرر كتابته وقوله.
أعجبني المقال, لما يحمله من واقعية كبيرة, أتت حيادية. فـ في العادة, حين ينتقد أحد أبناء الوطن, بعض التصرفات و العادات المتعارف عليها, لا يكون للكلام أثر على متلقيه, و لكن حين يأتي هذا الكلام من شخص أجنبي, عاش في بيئة مختلفة, بعادات و تقاليد مختلفة, قد يكون حينها لكلامه تأثير كبير. نعم هي هزات ثقافية, و ما أكثر الهزات التي تصيب بلدنا الصغيرة. على العموم, أنا لا أحمل الناس كل الأخطاء, فالظروف هي من تحكم عادات المجتمع. من ناحية أخرى, هناك تقدم كبير للمجتمع البحريني على باقي المجتمعات, من ناحية الأعمال الخيرية و التطوعية, و هذا يحسب للمجتمع البحريني. لكل مجتمع ثقافة و عادات و تقاليد, فلا يمكن أن نحكم على مجتمع كامل, من خلال إختلاف عادة أو تقليد عن باقي المجتمعات, و نقول إن هذا المجتمع شاذ. لو ذهبت مثلاً إلى دولة أجنبية, من الطبيعي أن تكون هناك هزات ثقافية لي, كما كانت للأجنبي في البحرين, فمجتمعهم مختلف تماماً عن المجتمع الذي نشأت فيه, و العادات و التقاليد مختلفة تماماً. إذا كان مقبس الكهرباء يختلف من منطقة لمنطقة, فلا عجب أن تختلف العادات. طبعاً لا أقول إن كل عاداتنا صحيحة, و لا أقول إن كلها خاطئة. كذلك يعتمد تقييمي للخطأ على ثقافتي و ثقافة بلدي, فالأمريكي يرى إن أمر ما طبيعي, بينما أنا أراه شاذ, مثلما أنا أرى شيء طبيعي و هو يراه شاذ.
هناك أخطاء تصدر من الناس, و لكن لا يمكن أن نحمل الناس الخطأ الأكبر. فعلى سبيل المثال, ليس من المعقول أن أطلب من شاب القيام بعزل القمامة في تصنيفات, و هو عائد للتو من دوامه في العمل, الذي يستغرق نصف يومه في العادة أو أكثر, و من ثم تأتي شاحنات التنظيف, لترمي كل القمامة في الشاحنة بدون عزل. هل أطالب من الناس القيام بعزل القمامة, و ليس لدي من يعيد تدويرها..!
أتذكر أن صديقي العزيز لؤي, و الذي وُلد في أمريكا, و عاش فيها لسن السابعة, قبل أن يأتي للبحرين, كان دائماً ما يخبرني, عن كيف أن الناس هناك, تنظر لرجل الأمن بإحترام, و تلقي عليه التحية بإبتسامة حين تراه, لـ دوره الكبير في خدمة المجتمع, و تنظيفه من الآفات البشرية. هذا يحدث هناك في الغرب, لإن لديهم رجال أمن, هذا لا يحدث في البحرين, فنحن لدينا رجال أمن دولة و قوات شغب مجنسة, و ليس شرطة, إلا ما ندر. هناك رجال الأمن يحافظون على سلامة المواطنين, أما هنا, فأشباه رجال الشرطة يقومون بتعذيب المواطنين, فمن أين يأتي الأحترام.
كان و لا زال والدي, يقوم بجمع زجاجات الأدوية التي أنتهينا من إستعمالها, و إعادتها إلى المركز الصحي الموجود في قريتنا. أتذكر, إن في أيام الأنتفاضة, حين كنت طفلاً, كان والدي يقوم بنفس العمل, فقلت له, لماذا تعيدهم, أنت بهذا تقدم خدمة للعدو, تقدم خدمة للحكومة التي نكرهها. قال لي, أنا لا أعيدها حباً في الحكومة, فأنا أكره الحكومة أكثر منك, أنا أعيدها, لإن وجودها لدي لا ينفعني, و قد ينفع غيري, و أخاف من تخزينها أو رميها, فيصل لها الأطفال.
في منزلنا, كلنا لا نحب أن تكون فيه خادمة, فكلنا نتفق على إن وجودها يسبب لنا إزعاج نفسي. لا أتصور نفسي جالس و خادمة تخدمني, أشعر بالآسى عليها. لو لا ظروف أمي الصحية, لما قمنا بطلب خدمات خادمة, تأتي في اليوم ساعتين لا أكثر, تقوم ببعض الأعمال, و من ثم تذهب.
أتذكر أيامي في المدرسة, و خصوصاً الفصل السادس الأبتدائي. كان الطلبة يتفننون في التخريب. أتذكر كيف إن الطلبة أتفقوا على أن يجعلوا من الفصل غير قابل للجلوس, لكي يتم إلغاء الحصص الدراسية. في البداية, قاموا بجلب الكثير من الثوم, و وضعوه في أكياس, و من ثم عصروه بأرجلهم, و من ثم كبوه في فتحات المكيف. أتى الأستاذ, و دخل الفصل, فشم الرائحة, فخرج مسرعاً, ليأخذ نفس عميق, و يعود ليصرخ ما هذه الرائحة الكريهة؟؟, لا أحد يجيبه, يذهب للتحقق من المكيف, ما أن يوجه وجهه نحو الفتحات, حتى يهرب من شدة الرائحة الكريهة. أمر بإطفاء المكيفات, و تشغيل المراوح, و قام بشرح الدرس. حزن الطلبة, لإن خطتهم فشلت. ما أن أنتهت الحصة و خرج الأستاذ, حتى قام الطلبة بالضحك, و أعادوا تشغيل المكيفات, و قبل هذا, كان في كل مروحة شخص معلق, يقوم بلوي أجنحة المروحة للأسفل, لكي لا تعمل..!. دخل الأستاذ الثاني, و ما أن وصلت الرائحة إلى فتحات مناخيره الكبيرة, حتى ركض مسرعاً خارج الصف. لم يكن هناك حل, و الجو حار جداً. أتى المشرف, و ضرب طلبة الفصل بأكمله. أتذكر أيضاً, كيف أن أحدهم أراد إلغاء الحصص الدراسية المتبقية بعد الفسحة, فقام بإصطياد الكثير من النحل و وضعهم في كيس, و من ثم رماه في الفصل..!. كل هذه الأفعال تحدث, لإن ليس هناك وعي, لا أعني إن ليس هناك وعي لدى الطلبة, فهم أطفال, و لكن ليس هناك وعي لدى الأهالي, بإنهم يجب أن يعلموا أطفالهم, بإن المدرسة أنشئت من أجلهم, ليدرسوا فيها هم, و إن تخريبها يعود بالضرر عليهم هم, و ليس على غيرهم. كذلك المدرسين, كانت طريقتهم لا تحبب الأطفال في المدرسة. كان الطالب يشاغب ليعاقب, فالعقاب كان يشكل له تحدي, و يجعل منه بطلاً أمام باقي زملائه.
في أمريكا, يكون عقاب بعض الجرائم, و خصوصاً لغير البالغين, هو خدمة المجتمع, أي القيام بخدمات تخدم المجتمع الذي يعيشون فيه, كتنظيف ساحل, أو العمل في مؤسسة خيرية لساعات محددة, كتدريس طلبة في نادي تعليمي, أو مساعدة كبار السن. في البحرين, لا يطبق هذا الأمر بتاتاً, فعقاب كل صغيرة و كبيرة, يكون إما بالسجن, أو بالغرامة, أو بالعفو. العقوبة الأولى, إن تم سجن الناشئ, فمن الطبيعي أن يلتقي بمن يشكلون خطراً عليه, و قد يجرونه إلى طرق هو بعيد عنها. كنت جالساً ذات مرة, مع أحد المدمنين السابقين من أبناء قريتي, حيث أنه تاب إلى الله, و أصبح من أفضل الأشخاص. يقول لي هذا الشخص, إنه و قبل الخروج من السجن و ذلك قبل سنوات قليلة, إنه و بعض زملائه أعتصموا في السجن, مطالبين بعزل من هم تحت عمر الـ 21 سنة في سجون خاصة بهم, لإن في وجودهم مع باقي المجرمين خطراً عليهم, كجرهم لجرائم أخطر, و كذلك هناك الكثير من الحوادث التي تحدث داخل السجن, مثل الأعتدائات الجنسية و البدنية على السجناء الصغار, حيث لا منقذ لهم من سطوة المجرمين الكبار. نأتي للعقوبة الثانية و الثالثة, و هما الغرامة أو العفو. هاتين العقوبتان, تشكلان خطراً كبير جداً, فهما تحققان المثل الذي يقول, من أمن العقوبة أساء الأدب. في قريتي, هناك الكثير من المجرمين الناشئين, الذين يتباهون بعدد جرائمهم و خطورة كل جريمة. هؤلاء أمنوا العقوبة, فأسائوا الأدب, ففي كل مرة يقومون بجريمة, يقوم ذويهم ببذل جهدهم في إخراجهم من السجن, و لو بشق الأنفس. أتسائل, لو بذل ذويهم الجهد نفسه, في تربيتهم بشكل صحيح, ألن يكون هذا أفضل..؟!
جعلت هذا الجزء بالخط العريض لأنه مهم جداً. في برنامج عن الفقر في البحرين, بمعلومات غير صحيحة, أرادت به وزارة الأعلام و وزارة الشؤون الأجتماعية إبراز عضلاتها الأسفنجية فيه, قال أحد المسؤلين, إن مخصص مساعدة الأسر المحتاجة في البحرين, هو ثمانية ملايين, و أربع مائة ألف دينار بحريني ” 8400000 ب.د “, و إن عدد الأسر المستفيدة من هذا المخصص هو تسعة ألاف و إثنين و عشرون إسرة ” 9022 “, و إن الوزارة أصدرت قرار بإن يكون المخصص لسنة 2007 هو إثني عشر مليون دينار ” 12000000 “. علماً, بإن للأيتام تحت الـ 21 عام, مخصص أخر, غير مشمول بهذا المخصص.
بعمليات حساب بسيطة :-
المخصص مقسوم على عدد الأشخاص
8400000 ÷ 9022 = 931 دينار بحريني
أي إن المخصص السنوي لكل عائلة هو 931 دينار تقريباً
مقسوماً على عدد الأشهر
931 ÷ 12 = 77.5 دينار تقريباً في الشهر لكل إسرة
أتحدى الوزراتين, و وزيرا الوزارتين, و الحكومة, و رئيس الحكومة, و ملك البلاد, بإن يثبت لي, بإن هناك إسرة في البحرين, تحصل في الشهر على 50 دينار فقط, كمساعدة إجتماعية. من المعروف إن المعونات الأجتماعية لا تتعدى الـثلاثون ديناراً فقط..!
قبل أن أكمل, سأستبق الحدث, و سأقول, لمن سيقول لي بإنني أحمل الحكومة كل صغيرة و كبيرة, إنني لم أأتي بشيء من لا شيء, ها أنا قد وضعت ما لدي, فأثبتوا لي العكس.
إنني, أحمل الحكومة, مسؤولية الكثير من الأخطاء التي يتصف بها مجتمعنا, لإنني حين بحثت عن سبب هذه الأخطاء, وجدت يداً للحكومة. رغم هذا, لا أنكر إن لمجتمعنا بعض العادات الخاطئة, التي يتحمل المجتمع نفسه سببها.
تكلمت في ما سبق عن الأخطاء, و لعل البعض سيقول لي, دائماً ما تركزون أنتم المنتقدين على الأخطاء, و لا تذكرون المحاسن. سأقول لهؤلاء, نحن نذكر الأخطاء لإيجاد حلول لها, الخطأ لونه أسود, و الأسود واضح دائماً, إلا إذا وجد في مجتمع أسود, لا تفرق فيه بين الأسود الخاطئ, و الأبيض الصحيح, و الرمادي الوسط, و لإن مجتمعنا أبيض, فإن السواد يبان فيه بوضوح, لذلك, يجب أن نركز على هذا السواد, لكي نقضي عليه. إلا إنني أيضاً, أركز على إن ذكر محاسن المجتمع أمر واجب, و مفيد جداً, لأنه يشجع على إستمرارية هذه المحاسن, و التقدم فيها.
محاسن مجتمعنا كثيرة, و لا حاجة لذكرها كلها, و لكن لابد من ذكر أحد هذه المحاسن التي تميزنا كشعب و مجتمع. إنني أعني الأعمال التطوعية و الخيرية المنتشرة في البحرين. لو بحثت في كل قرية في البحرين, ستجد صندوق خيري, ستجد نادي رياضي أو مركز شبابي و ثقافي, ستجد مركز لتحفيظ القرآن, و لرعاية الشباب, ستجد مآتم للأشبال, و مآتم للكبار, ستجد مسجداً و جامع, و في كل هذه الأمور, لن تجد أحدهم يتقاضى شيء عن عمله, إنما مطلبهم هو الثواب و الأجر العظيم, فهل لديكم يا مجتمع الغرب ما لدينا..؟!. مثلما لديكم ما يميزكم عنا, لدينا ما يميزنا عنكم. و كعادتي, لابد أن أذكر شيء من سواد الحكومة في هذه النقطة, حيث إن الحكومة لا تقوم بدعم هذه النشاطات الخيرية, فـ بالعكس, فـ في البرنامج الذي تكلمت عنه في الاعلى, برنامج الفقر في البحرين, خرج أحد المسؤولين في وزارة الشؤون الأجتماعية, ليقول, بإنه يطالب بإلغاء الصناديق الخيرية, و توحيدها في صندوق واحد لكل محافظة, لكي يتسنى للوزارة التحكم في الوضع, و كيفية توزيع المعونات..!. و أيضاً لا أنسى بإن الحكومة, و في فضيحتها الأخيرة بندر غيت, كشفت عن نواياها بشأن التضييق على المؤوسسات الخيرية, و خصوصاً الصناديق الخيرية..!