بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم.
قصة أعجبتني, قمت بوضعها في أحد المواقع قبل فترة من الزمن.
أضعها لكم الأن, و أتمنى أن تعجبكم .
- لا تقولي لا
1- السحابة و البركان
كان الفندق كبيراً و أنيقاً, و يقع على الطرق التي تصل المطار بقلب المدينة, و هو مؤلف من بنايتين متلاصقتين : الأولى من خمسة طوابق, و الثانية من ثلاثة طوابق. و أجمل الغرف هي التي تطل على المدينة, حيث المنظر رائع جداً, أذ تقع المدينة وسط الوادي الذي تحيط به سلسلة من الجبال الشاهقة.
من نافذة غرفتها, وقفت ديانا كلارك تستعرض المناظر الجميلة, تدهشها الأضواء المتلألئة التي تضفي بريقها على كيتو عاصمة الأكوادور. غابت الشمس كالعادة في الساعة السادسة و الربع. و في لجظة واحدة, أرتدت قمم الجبال ألواناً مختلفة مروراً بالأخضر و الوردي ثم الأحمر الداكن.
وفجأة أنطفأت أنوار المدينة و ظهرت في الفضاء غيمة, بدت شاحبة شفافة, من التلة التي يقوم عليه الفندق.
خيل إلى ديانا في تلك اللحظة أنها أنتقلت إلى عالم ساحر خلاب. كأنها على قمة برج تابع لأحد القصور التي تتحدث عنها الأساطير, و هي تحلق في السحب. رفعت عينيها و رأت شمس المغيب تضيء القمم الثلجية فوق بركان منتصب تحت سماء مرصعة بالنجوم. و قالت ديانا لنفسها حالمة :
” هنا يستتب الأمر من الأن فصاعداً, سأكون أنسانة سعيدة”.
ما لبث البركان أن غرق في الظلمة و ذاب في العتمة. و تبعثرت الغيمة قبل أن تختفي. و لاحظت ديانا أن غرفتها غارقة في العتمة.
تنفست الصعداء و غادرت الشرفة و دخلت إلى غرفتها و أشعلت النور.
و في الحال تلونت الغرفة الفاخرة باللون الوردي. أضاءت ديانا المصباح الكهربائي قرب السرير, و نظرت إلى المرآة. شاهدت امرأة شابة, ممشوقة, و نحيفة, لها شعر كستنائي ذو بريق ذهبي, و وجهها بارز ذو تقاطيع ناعمة و وجنتيين نافرتين, و عينيين عنبريتيين, تعكسان بعض الخجل, و شفتين ناعمتين ممتلئتين تظهران حرارتها و سخاءها.
و بالفعل فأن الذين يتعرفون إلى ديانا كلارك للمرة الأولى يدهشهم هذا المزيج الغريب في شخصيتها حيث الخجل و الرغبة متفقتان بأنسجام.
وصلت ديانا إلى كيتو منذ ستة أيام, مع والدها كرستوفر فارلي, المدير العام للشركة النفطية التي تصنع الآليات لبناء أبراج الحفر و التنقيب. و قد سبق لهما و قاما معاً بزيارة لعدة بلدان في أمريكا الجنوبية. و هما الآن في الاكوادور يلبيان دعوة السينيور سانشو سواريز الذي يملك اسهماً كثيرة في احدى ناقلات البترول العالمية التي تقوم بالتنقيب عن البترول في البلاد.
رافقت ديانا والدها رغبة منها بالتغيير. كانت مضطرة إلى اتخاذ قرار مهم يتعلق بزواجها. و شعرت بحاجة إلى ان تبتعد عن جو البيت في لندن كي تكتشف حديقة عواطفها تجاه جايسون كلارك زوجها الذي افترقت عنه.
جلست اما مكتب صغير و راحت تبحث في جواريره عن ورق لتكتب رسالة إلى عمتها. كان والدها يقوم بجولة استكشاف في الادغال, حيث آبار النفط و هي تنتظره لكنه تأخر اكثر من أربع ساعات, فراحت تكتب إلى عمتها جرترود, لعل الكتابة تخفف من القلق الذي يكاد يخنقها من جراء تأخر والدها.
أخبرتها كل ما جرى لها منذ وصولها إلى كيتو, قبل أسبوع. لقد أحبت المدينة التي تبدو في ربيع دائم بسبب مناخها المعتدل برغم موقعها العالي.
الأحياء القديمة, و الشوراع الضيقة و الشرفات المعلقة, تحمل الطابع الاسباني. فالبيوت مؤلفة من طابقين, جذرانها مطلية بالكلس الأبيض و سقوفها من القرميد المخضر بمرور الزمن. تلتصق على بعضها البعض على جهتي الطرقات الصغيرة المنحدرة. و في ساحة الاستقلال, ما زالت الكاتدرائية و قصر الحكومة يحملان أثار الثورة. لكن المرتفعات المزهرة و الأشجار الملتفة, كلها تدعو إلى النزهات وإلى التسكع.
و برفقة ماريا زوجة سانشو سواريز الرائعة, و رامون, ابنها البالغ من العمر تسعة عشر عاماً, زارت ديانا مبنى خط الأستواء, الذي يبتعد بعض الكيلومترات عن العاصمة كيتو. هناك تصورت ديانا, جزءاً منها في نصف كرة الأرض الشمالي و الجزء الثاني في النصف الاخر الجنوبي. كما زارت معهما الكومبانا, كنيسة كيتو المشهورة. كان الدليل عجوزاً هندياً ذو وجه داكن و بارد يحمل شمعة مزخرفة. و عندما شاهدت ديانا الكنيسة في الداخل اصابتها الدهشة : التماثيل و المنبر و الكرسي و اطارات اللوحات, كل شيء, حتى السقوف العالية, تبدو كأنها مطلية بالذهب السائل…
وضعت ديانا يديها لحظة على المكتب تدعك اصابعها لتنشطها.
لم تكن تضع في اصابعها سوى خاتم ضخم من الذهب الثقيل.
و عاودت الكتابة, و اذا بها تسمع نقرة خفيفة على الباب. التفت بانتباه و اصغاء, سمعت طرقة من جديد, لا يمكن ان يكون الطارق والدها, لأنه عادة يعلن عن قدومه بعزم و قوة, و لأنه يدخل غرفته, ثم يدخل غرفتها من باب الأتصال الذي يصل الغرفتين.
نهضت ديانا ببطء و توجهت نحو الباب. صحيح إنها معجبة باهالي الاكوادور لكنها ليست مستعدة لأن تفتح الباب لانسان مجهول. اذا كان الزائر واحداً من معارفها, لأبلغوها عن ذلك في مكتب الاستقبال.
سمعت ديانا طرقة ثالثة عندما كانت يديها ما زالت على مسكة الباب, ففتحته ببطء و كان الطارق فيليكس اصغر حجاب الفندق.
فقال بتهذيب و بلغته الأسبانية:
” مساء الخير, سيدة كلارك”.
“مساء الخير,فيليكس”.
كانت تود ألا يتابع حديثه باللغة الأسبناية, كي تستطيع أن تفهمه.
و يبدو أنه ادرك ما يدور في ذهنها, تابع فيليكس حديثه بلغة انكليزية مترددة التقطها من السواح الأميركيين :
” في قاعة الأستقبال شخص يريد أن يراك”.
” ما اسمه ؟ ” .
” لم يقل اسمه بل سأل مكتب الاستقبال عن رقم غرفتك, لكن الموظف رفض ان يعطيه الرقم الا اذا عرف الشخص عن حاله.
لكنه اصر الا يعطي اسمه. و لما رآني طلب من ان اطلب منكِ موافاته في المقهى و انه سيدفع لي بعض المال اذا قمت بذلك. هل ستأتين يا سيدتي؟ ارجوك ان تأتيحتى يدفع لي المال”.
احنى رأسهمتوسلاَ. ترددت ديانا. هل من الحكمة أن تذهب لرؤية هذا الرجل الذي رفض الموظف ان يدله إلى غرفتها؟
توسل اليها فيليكس :
” اذا لم تأتِ, سيدتي, سيغضب علي هذا الرجل, و لا أحب ان اكون عندما يغضب. فهو طويل القامة و قوي. ارجوك سيدتي, ان تذهبي اليه”.
أجابته مبتسمة:
” أني آتية, انتظرني”
تألق وجه ديانا وراح فيليكس يبتسم مظهراً أسنانه العريضة البيضاء.
أخذت ديانا حقيبة يدها و تأكدت من وجود مفاتيح الغرفة داخلها. و لم تنس ان تلقي نظرة إلى المرآة لتتأكد من ان فستانها الأخضر لا عيب فيه.ثم خرجت و اقفلت الباب وراءها و تبعت فيليكس حتى المصعد.
كان المقهى مضاء بنور خافت. و مع ذلك كان في وسعها ان تلاحظ الوجوه وراء الطاولات الصغيرة المستديرة, القائمة حول منصة, حيث مجموعة من الموسيقيين يعزفون الموسيقى الأمريكية - اللاتينية.
سلك فيليكس ممراً يؤدي إلى مؤخرة القاعة و تبعته ديانا. كادت ان تختنق لدى رؤيتها ظهر الرجل, له كتفان عريضان و شعر قصير.
توقفت جامدة و راح قبلها يخفق بسرعة كأنما تركض مسافة طويلة.
لا يمكن أن يكون هذا الرجل جايسون؟ ربما واحد يشبهه…
كان فيليكس يشرح له بسرعة ماداً يده نحوه فالتفت الرجل, و رأت ديانا ملامحه و شعرت بحدة عينيه الزرقاوين.
و اذا بجايسون يضع يده في جيبه و يخرج قبضة مليئة بالنقود و يضعها في يد فيليكس الممدودة نحوه. شكره فيليكس و انصرف.
كان الرجل يدير ظهره و كأنه غير مبال انها انضمت اليه. غالباً , كانت تتخيل هذا اللقاء مع زوجها جايسون, الذي افترق عنها منذ سنة تقريباً, تاركاً شقتهما في لندن, متهماً اياها بعدم ثقتها به. بكنها لم تتصور أبداً و لو في الأحلام انها ستلتقيه في بلد أخر,و في قارة اخرى, و في هذه المدينة الساحرة بالذات.
كانت قدماها ترتجفان, و هي تسأله في صوت مبحوح :
” ماذا تفعل هنا ؟ ”
وضع كأسه الفارغة و رفع عينيه ببطء نحوها و ابتسم قائلاً:
“اني انتظرك, لماذا لا تجلسين؟”
سقطت ديانا في الكرسي و قالت”
“أنت أخر انسان أنتظر أن اراه هنا”.
“الم يقل لك كريستوفر أني أهمل هنا”.
“كلا, فهو لو قال…”
توقفت فجأة عن الكلام. لماذا لم يخبرها والدها بوجود جايسون في الأكوادور؟ هل كان يخشى ان ترفض مرافقته؟
ادرك جايسون ما يجول في خاطرها فقال:
“لو عرفت لما اتيت معه. عظيم, لقد فهمت”.
“كلا. لا,..لم أكن أريد أن أقول ذلك لكن, ربما ظن والدي ذلك”ز
اطلق جايسون ابتسامة ساخرة:
“ما زلت لا تعرفين كيف تتصرفين؟ في كل حال لننسى الأمر. ماذا تحبين أن تشربي؟”
“ماذا تشرب أنت؟”
“أشرب عصير الحامض بالنعناع, أنه منعش و لذيذ الطعم, ما رأيك بكأس منه؟”.
وجدت ديانا من جديد اهتمامه المألوف و شعرت انها مجردة من اي حقد عليه. لكنها استدركت الأمر, فيجب الا تستسلم لسحره.
قالت بنبرة هادئة”
“أخذ زجاجة كوكاكولا”.
بعد أن جاء المشروب و احتست منه جرعة, سألته و هي تنظر اليه يشعل سيكارة و هي لم تره يدخن من قبل.
“لماذا تنتظرني؟”
حدق جايسون بها في نظرة غير مباشرة و همس قائلاً:
“لأطلعك على أمر لن يعجبك”.
“أنه يتعلق بوالدي, اليس كذلك؟ فقد تأخر في العودة, ماذا جرى؟”
و من جديد, نظر اليها ليتأكد من قدرتها على تحمل الخبر. هل هي قادرة ان تتحمل صدمة أخرى؟
و سألته بالحاح؟
“قل لي, يا جايسون. و اعدك الا اتصرف تصرفاً احمق. لا أغماء و لا نوبة عصبية. أرجوك. لا تجعلني انتظر اكثر”.
“تحطمت الطائرة التي كانت تنقل والدك إلى بونو على مدرج الهبوط و هو الأن جريح. فقد اصيب بكسور في اضلاعه و في ذراعه اليسرى”.
“اين هو الأن؟ يجب أن أذهب أليه حالاً”.
انتفضت ديانا و راحت ترتجف بقوة و تخيلت والداها الجريح وحيداً في احدى المستشفيات الممتلئة ذباباً ساماًُ. نهض جايسون و أخذها بيده و اعادها إلى الكرسي.
“أرجوك أن تتحلي بالهدوء! فوالدك بين ايدي اطباء و ممرضين يعتنون به كل الأعتناء في المستشفى الذي تديره المؤسسة العالمية الصحية. و أنا جئت لأخبرك ما حدث, لأن والدك طلب أن يقوم بهذه المهمة أحد أفراد العائلة”.
نهض جايسون و أخذها بيده و اعادها إلى الكرسي.
“أرجوك أن تتحلي بالهدوء! فوالدك بين ايدي اطباء و ممرضين يعتنون به كل الأعتناء في المستشفى الذي تديره المؤسسة العالمية الصحية. و أنا جئت لأخبرك ما حدث, لأن والدك طلب أن يقوم بهذه المهمة أحد أفراد العائلة”.
أحد أفراد العائلة؟ لقد لفظ هذه العبارة بطريقة تهكمية. نظرت ديانا غليه. كن يحتسي كأسه ثانية. و بدورها أحست بالظمأ و جرعت كأسها حتى أفرغته. و شعرت بالشراب المثلج يرطب حلقها فارتاحت. سألته:
“هل يمكنني ان التحق بوالدي في بونو؟”.
كان جايسون ينظر إلى الراقصة التي دخلت لتوها إلى حلبة الرقص, و هي فتاة جميلة, ذات بشرة سمراء و ترتدي فستاناً طويلاَ, ابيض اللون, يُظهر خطوط جسمها المثير.
أجاب جايسون بلهجة غير مبالية:
“اذا كنت تريدين ذلك”.
“متى؟”
عادت عيناه الزرقوان تحدقان في وجه ديانا و تتأملان شعرها اللماع. شعرت أنه غير مبال بما يحدث لعمه, فكان يبدو منشغلاً براحته الخاصة. و قال بعد صمت طويل:
“سأخذك اليه غداً, بعد أن أنام هذه الليلة, لأنني متعب للغاية”.
راحت ديانا تنظر اليه عن كثب. لقد نحف جسمه عما كان عليه منذ سنة تقريباً. و بشرة جلده لوحتها الشمس كما زادت زرقة عينيه, و شعره الكستنائي يتموج بخصلات ذهبية تشبه القش الأصفر, و كعادته كان يرتدي ثيابه بأهمال: قميص كحلية, و سروال بني فاتح و ربطة عنق معقودة بسرعة و من دون أتقان, و سترة بيضاء أرخاها على مسند المقعد.
قالت ديانا بلطف زائد:
“أشكر لك مجيئك إلى هنا”.
شعرت برغبة مفاجئة لأن تلمس بأصابعه يده السمراء, لكنها سرعان ما عدلت عن ذلك.
هز كتفيه و نادى خادم المطعم الذي أخذ الكأس الفارغة. و في هذا الوقت كانت المغنية تؤدي أغنية مآساوية بصوتها الرنان.
سألته ديانا و تعي جيداً التوتر الشديد الذي حل بينهما.
“هل أنت في الأكوادور منذ مدة”.
لم يكن جايسون ذلك الأنسان الذي يحب الثرثرة. كان يعبر عن أفكاره و احاسيسه باختصار, و أحياناً بشراسة. و كان يرد على الاسئلة باقتضاب.
أجابها ببساطة:
“منذ أن بدأ التنقيب عن النفط”.
“يعني منذ متى”.
و تكلم جايسون بلهجة فظة فتراجعت إلى الوراء, كما لو كان يصفعها قائلاً:
“أهذا يهمك فعلاَ, أو أنك تتكلمين فقط على سبيل الحديث؟”.
“أن ذلك يهمني. عندما تركتني و ذهبت و بقيت من دون أي خبر منك, كتبت اليك, لأنني كنت حريصة على تتبع اخبارك و لأنني كنت في حاجة إلى صحبتك”.
لاحظت ارتفاع جبينه استفهاماً, و اضافت استمداداً للدفاع عن نفسها:
“أنني زوجتك. و لذلك كنت اعتقد ان من واجبي ان اعرف اين كنت و ماذا تفعل”.
لم يرد. فقد عاد الخادم حاملاً كأساً مليئة بعصير الحامض المثلج و المحلى. دفع له و اشعل سيكارة اخرى و احتسى جرعة من شرابه و عاد يحدق بكأسه”.
شعرت ديانا بالغضب يجتاحها تدريجياً. أنه ما زال يرفض الخوض في أي حديث من هذا النوع, و ستضطر إلى طرح أسئلة أخرى و هي تعرف جيداً أنه يكره ذلك. و أخيراً قالت:
“كنت أنتظر جواباً منك على رسالتي و تساءلت مرات عديدة ما اذا كنت قد تسلمتها”.
“نعم, تسلمتها”.
“اذن لماذا لم ترد علي؟”.
“هل تريدين حقاً معرفة السبب؟”.
رفع كأسه و أفرغها دفعة واحدة.
اجابت ديانا و الغصة في حلقها:
“نعم, و لا شك ان هناك سبباً وجيهاً جعلك تفضل الصمت كل هذه المدة”.
كأن شيئاَ لك يتغير, أنه ما زال ذلك الرجل المجهول, الذي أحبته أو تخيلت أنها أحبته, و الذي تزوجته و الذي قضت معه أياماً حلوة مليئة بالحب المتبادل.
اجاب و هو يقلد لهجة ديانا:
” سبب وجيه, نعم, بكل تأكيد, من وجهة نظري انا, على الأقل. لم أرد على الرسالة, لأنني أكره أن اعرف انك ستسامحيني على غلطة ارتكبتها”.
في كلمات قليلة, أعاد الزمن إلى الوراء. كأنهما من جديد وجهاً لوجه في شقتهما اللندنية. فقد تغير الأطار, لكن موقف جايسون ما زال هو اياه و كانت ردة فعل ديانا نفسها ايضاً.
“غلطة لم أرتكبها؟”
قالت ذلك بصوت عال و كررت العبارة مرات عديدة, فراح الجميع ينظرون اليها متسائلين و متفاجئين. لكنها, خوفاً من ان يعتبر الموجودون ان شيئاً ما حدث و يتقدمون للمساعدة, اقتربت منه و قالت بصوت منخفض:
“أنت وقح للغاية. لقد ذهبت إلى باريس تلبية لدعوة أمرأة. و كنت معها كل الوقت”.
سقط في كرسيه و راح يحدق فيها بنظرات ثاقبة و ساخرة.
“كيف عرفت انني كنت مدعواً إلى باريس, لا أعتقد أن صديقتك العزيزة أونيس هي التي أخبرتك بذلك”.
“أني…”
خانتها الكلمات. كانت تعتقد أنها قادرة ان تخبره عن الرسالة التي وجدتها في ملابسه, و كانت بتوقيع كارول, لكن, كانت تنقصها الشجاعة. بحدة و من دون أقتناع:
“هذا لايهم. أعرف أنك كذبت علي, و انك خدعتني و اضعت ثقتي فيك”.
أخذ يضحك من اعماقه و قال:
“أنت تجهلين كل شيء عن الثقة. كنت كلما جئتك متأخراً يوماً أو يومين, تنهالين علي بالأسئلة, تريدين ان تعرفي اين كنت, و ماذا فعلت, و مع اي امرأة كنت…”
“لم أسألك أبداً ذلك. و ارجوك ان تخفض من صوتك, فالجميع ينظرون الينا”.
“أني لا أهتم إلى ذلك”
اشعل سيكارة اخرى. سألته ديانا:
“لم تكن تدخن عندما عرفتك. مالذي جعلك تدخن الأن؟”
“كي أجد الشجاعة لأقول كل ما جرى لوالدك”.
“لا اعتقد…”
قاطعها بغضب و قال:
“انها عادتك الا تصدقي ما اقول, اليس كذلك؟ لقد صدقت اونيس و وثقت بها, لكن, من اجلي, لا شيء من هذا. هي, صديقتك الحميمة. أما أنا فلم أكن سوى المسكين الذي اوقعته في حبالك كي يتزوجك…”
“لم يحدث ذلك على الأطلاق!”
اجابها بسخرة مرة:
” لا؟”
كانت عيناه المتعبتان تعكس خيبة الأمل. نهضت ديانا فجأة و همست قائلة:
“لم أعد أتحمل ما يحصل”.
و كالعمياء خرجت من المطعم, من دون الأنتباه إلى الناس الذين ترتطم بهم و هي سائرة. و في باحة الفندق, تبعت مجموعة من السياح الأميركيين و دخلت معهم المصعد الكهربائي. و عندما راحت تقول لأحدهم ان يكبس الزر الخامس, لاحظت وجود جايسون معها في المصعد. كان ينظر أليها بعينيه الساحرتين.
توقف المصعد في الطابق الخامسو خرجت ديانا متجهة نحو غرفتها و كان جايسون يتبعها. فاستدارت صوبه غاضبة و قالت:
“لماذا لحقت بي”
كان ضوء الممر خفيفاً, فبدا وجه جايسون نحاسياً و شعره كشعلة صفراء.
أجابها بهدوء:
“انت ترغبين بالذهاب إلى بونو و انا وعدتك بان اخذك لتزوري والدك بالمستشفى هناك. لذلك اعتقد أنه من حقي أن اتبعك حتى غرفتك حيث يمكننا الاستعداد للسفر غداً”.
مشت ديانا نحو غرفتها, فتبعها بخطواته غير المكترثة. و لما وصلت أمام باب غرفتها, و حاولت ادخال المفتاح في القفل لكنها لم تنجح. سحب جايسون يدها و قام مكاناها بفتح الباب.
دخلت ديانا و رمت بحقيبة يدها على السرير و التفتت صوب جايسون. و شعرت بانفاسه تتقطع. كان قد اقفل الباب و اسند ظهره عليه. كان شاحب الوجه, و اغمض عينيه من الألم. اقتربت ديانا منه و انتشلت من يديه مفتاح الغرفة و سالته:
” جايسون, ما بك؟”
رفع حاجبيه و قال:
“اني اشعر بأعياء شديد, أين غرفة الحمام؟”
” من هنا. من هنا”.
فتحت باب الحمام و انارت الغرفة. فاندفع جايسون إلى هذه الغرفة الصغيرة و صفق الباب وراءه.
وجدت ديانا نفسها واقفة أمام النافذة التي تطل على منظر رائع للمدينة. كانت بين الضحك و البكاء. لاشك و هي تتحمل عواقب المفاجأة, أولاً عند رؤية جايسون و ثانياً عندما علمت بحادث والدها. و فجأة انقلبت الحياة رأساً على عقب. و هي لا تعرف كيف تعيد التوازن إلى مكانه.
و لم تعرف ديانا كم من الوقت مضى و هي أمام النافذة تحلم في اليقظة. و لت تعد إلى الواقع ألا عند سماعها صوت باب الحمام ينفتح. و ببطء ابتعدت عن النافذة و عادت إلى وسط الغرفة.
كان جايسون شاحب اللون. و شعره منفوش يحمل سترته على ذراعه. رماها على المقعد القريب منه, و حل عقدة ربطة عنقه و خلع قميصه. فوجئت ديانا بتصرفه و شعرت بجفاف في حلقها. و سألته:
” هل تشعر بتحسن؟”
قال و يداه تشدان على زردة زناره:
” ما هذا الأهتمام المفاجئ… هل تذكرت اننا متزوجان؟”
” هل أنت بحاجة إلى أي شيء؟”
“كلا شكراً. ستتحسن أحوالي عندما أنام”.
جلس جايسون على السرير, وضع يديه و راح يصرخ من الألم. ثم أنحنى ليفك ربطة حذائه ففهمت للحال ما ينوي فعله و قالت:
” جايسون لا يمكنك أن تمضي الليل هنا”
“لماذا هل تنتظرين أحداً؟”
إحمر وجه ديانا و أجابت:
“كلا, لكن ماذا سيفكر العاملون في الفندق اذا اكتشفوا انك أمضيت الليلة في غرفتي, من دون أن تسجل اسمك في سجل الفندق؟ أنا اعرف ان الموظف في مكتب الاستقبال رفض ان يدعك تصعد إلى غرفتي”.
سألها جايسون:
“أهذا كل ما يهمك؟”
فجأة راح يتثائب و يؤرجح قدميه الطويلتين على السرير و كانت عيناه الزرقاوان الثقيلتان تتفرسان في وجه ديانا.
“في امكانك ان تقولي لهم الحقيقة, وصل زوجك بصورة مفاجئة. سيفهمون جيداً, لا تخافي و سوف يسرون ان يقبضوا منك اضعاف المبلغ. اما بالنسبة إلي فأنني سعيد ان انام. فالسرير واسع اكثر من اللزوم و يتسع لنا تماماً”.
تنهد جايسون مطولاً, و أدار ظهره و نام.
راحت ديانا تنظر اليه و في داخلها تتصارع احاسيس مختلفة تتراوح بين الغضب و الضحك. ما الذي حصل لها الأن. شيء عادي في هذا البلد المجنون. هنا تعتبر الحوادث الغريبة كأنها طبيعية و عادية جداً. و قبل ساعات كانت ديانا تجهل تماماً وجود جايسون في الأكوادور, و هو الأن ينام في السرير نفسه الذي امضت فيه الليالي الست الفائتة وحدها.
ان شكل جسمه المألوف, و طريقة تساقط شعره على جبينه, و الأبتسامة على فمه و هو نائم, كل هذا ايقظ في داخلها ذكريات كانت تعتبرها دفينة إلى الابد. اقتربت من السرير و مدت يدها لتزيح عن جبينه خصلة شعره المتمردة. لكن سرعان ما لجمت رغبتها و عادت إلى الوراء بقوة.
كلا, لن تستسلم بهذه الطريقة. عندما يكون جايسون نائماً, فأنه يبدو ناعماً لكن عليها أن تنسى انه مستمر في الدفاع عن نفسه ضد كل ضعف و ذلك بعنفوان صامت و شرس. و ليس هذا التعبير العاطفي المليء بالحنان الذي يظهر في نومه سوى تعبير سطحي.
عليها أذن أن تكون اكثر واقعية. قامت بخلع حذائه و جورابه, و فكرت بأن تخلع له سرواله الضيق لينام مرتاحاً. لكنها ادركت أن مثل هذه الحركة ستوقظه.
و لاحظت ان في ظهره اثار جروح تمتد من اسفل اضلاعه إلى اعلى ظهره, كما لو ان الجلد انفلع شطرين ثم اعيد لأمه, و هي ما زالت حمراء.
لم تكن هذه الجروح هناك قبل سنة. هل اصابه حادث ما؟ لا شك انه تألم و هي لم تعرف بذلك و لم تكن بجانبه لمساعدته و الأعتناء به.
و في تأوه اقتربت من الخزانة. و في أحد الأدراج اخذت بطانية هندية الصنع, من الصوف الناعم, مزينة برسوم هندية, و وضعتها على جسم جايسون. و كما لو أنه شعر بحرارة ناعمة, تنهد بعض الشيء و استدار على جانبه. و تسألت ديانا, العمل هو الوسيلة الوحيدة للأبتعاد عن الذكريات. دخلت غرفة الحمام و لاحظت ان جايسون نظف كل شيء بعد الحمام. راحت تغسل وجهها و تنظف اسنانها و تمشط شعرها. ثم عادت إلى الغرفة.
كانت الرسالة التي بدأت تكتبها لعمتها جرترود, ما زالت في المكتب الصغير. جلست وراءه و بسرعة أخبرت عمتها عن الحادث الذي تعرض له والدها و اضافت تقول أنها ستوافيها بتفاصيل اخرى, فيما بعد, وضعت الرسالة في مغلف و الصقت عليه الطوابع.
لم يبق امام ديانا سوى الأخلاد إلى النوم. فتوجهت نحو السرير, لكنها شعرت أنها غير قادرة ان تنام قربه و بينهما أمور كثيرة معلقة.
و ما دام هناك عدم ثقة بينهما و ما دام هو مستمر في الكذب و مصر على عدم ادخالها عالمه الحميم, إلى أفكاره و أحاسيسه.
ابتعدت عن السرير قبل ان تغير رأيها. و وقع ظهرها على أريكة عريضة, فقررت أن تستلقي عليها لتنام هذه الليلة في أنتظار ما قد يحدث غداً.
لكن هناك مشكلة الأغطية, فقد نام جايسون على غطاء السرير و فوقه البطانية الوحيدة الباقية. الحل الوحيد ان ترتدي مئزرها فوق قميص النوم و ان تتدثر بمعطفها الصوفي الذي اشترته خصيصاً لترتديه في الليالي الباردة.
ادارت الأريكة نحو النافذة تاركة الستائر الثقيلة مفتوحة. اطفأت النور و تمددت على المقعد و لما وجدت نفسها غير قادرة على النوم راحت تحصي النجوم المتلألئة في الفضاء, في محاولة لألهاء نفسها عن التفكير بما يحدث.
كل شيء هادئ, و ساكن. فقط صوت تنفس جايسون يعكر الصمت داخل الغرفة. كم من مرة بقيت مستيقظة, تسمعه يتنفس و تشعر بحرارة جسمه الدافئة.
لكن سرعان ما تنبهت إلى خطورة افكاراه فأزاحتها و حاولت تركيزها على والدها. قال جايسون أن جراحه غير خطرة. كما ان الأطباء و الممرضات يعتنون به داخل المستشفى. و هي عليها ان تثق بزوجها كما سبق و وثقت فيه عندما كانا يعيشان حياتهام الحميمة بعد الزواج و انطلقت افكارها و اختلطت اضواء النجوم امام عينيها.
و عادت بها الذاكرة إلى الوراء, إلى لقائها الأول بجايسون, أي منذ سنتين فقط.
تعرفت اليه في حفلة عشاء اقامها والد ديانا السيد كريستوفر فالي, على شرف شركائه و زبائنه. و كريستوفر يحب استقبال الناس و منذ وفاة زوجته اثر حادث اليم, كانت ديانا تقوم بدور ربة المنزل.
و كانت في السادسة من عمرها عندما توفيت والدتها.
و في مناسبات كهذه, و برغم خجلها, كانت الفتاة الشابة تحب أن ترتدي الثياب الأنيقة. كانت تدرس تصميم الأزياء في كلية الفنون الجميلة في لندن, و كانت قد صممت بنفسها فستاناً جديداً خصيصاً لحفلة العشاء. كان لونه عنبرياً بلون عينيها. تفصيلته تظهر خطوط جسمها النحيف و بياض بشرتها, فتبدو أكبر سناً مما هي عليه. كان شعرها ذو اللمعان الذهبي يتساقط حتى كتفيها, مع غرة على جبينها.
وضعت حول عنقها سلسلة ذهبية تحمل حلقة من حجر الجاد, و هو حجر كريم, لونه أخضر. و وضعت في اذنيها حلقاً من الحجر نفسه. و من دون ان تعرف كانت تبدو أكيدة من نفسها, متحفظة, مغرية, و لكن صعبة المنال.
عند وصولها إلى النادي حيث تقام حفلة العشاء, اختفت بضعة دقائق في غرفة الثياب المخصصة للنساء و ذلك للتأكد من أناقة ملابسها و تسريحة شعرها. كانت تأمل أن تلتقي صديقتها اونيس فينتون و شقيقها بول الذي يعمل عند والدها. لكن ديانا لم ترى اثراً لصديقتها ذات الشعر الأسود الناعم و الوجه البشوش. خرجت من غرفة الثياب و دخلت القاعة حيث تقام حفلة الأستقبال.
كان والدها يتحدث مع رجل طويل القامة في حوال الثلاثين من عمره. و كان شعره الأشقر يلمع تحت الأضواء الكهربائية, و تكاد كتفاه العريضتان ان تمزقا سترته السوداء. و كان وجهه اسمر و خداه مجوفين نحيلين.
ابتسم الرجل عندما اقتربت ديانا, فقال والدها:
“ابنتي الحبيبة اعرفك إلى جايسون كلارك. أنه يعمل في شركة نفطية و يوقم حالياً بابحاث على الساحل الشمالي - الشرقي في انكلترا.
كلارك هذه ابنتي ديانا”
وضع يده في يديها النحيلة و همس بصوته الجميل الفاتر:
“ديانا, الصيادةَ! اذا لم تخني الذاكرة”.
اجابته ديانا بسرعة:
” و جايسون المسافر الكبير”.
” حتى يجد ما يبحث عنه”.
” من أين أنت؟”
كانت ديانا ترتجف و عاجزة عن تحرير يدها من قبضة يده و من نظراته. فأجابها:
” لم اقصد ذلك. الظاهر انك لست من هذه البلاد. من اي بلد انت اذن؟”
“ترعرعت و درست في تكساس. هل انت راضية الآن؟”
في تلك اللحظة وصلت اونيس مع اخيها بول. كانا يعرفان جايسون من قبل, فانضما إلى الحديث. و خلا السهرة كانت ديانا تؤدي واجباتها كمضيفة, لكنها ظلت تعي وجود جايسون الذي لفت أنتباهها اكثر من سائر الضيوف.
بعد العشاء شعرت ديانا بيد توضع على ذراعاه. فالتفتت إلى الوراء و رأت جايسون قربها. فقال لها:
“ألست محظوظاً, هذه السهرة هي الأخيرة امضيها في العاصمة الانكليزية, لمدة يمكن ان تطول. هل من مكان يمكن ان نكون وحدنا فيه. اريد ان اقول لك شيئاً في السر”.
فوجئت ديانا و قالت بصوت منخفض:
“لا… أني لا أعرف أي مكان”.
فك ربطة عنقه و وضعها في جيبه ثم حل ياقة قميصه. و أمام عيني ديانا الممتلئتين هلعاً, راح يبتسم كأنه يسخر من نفسه. ثم قال:
” لم أتعود أن أكون متنكراَ هكذا”.
“و لماذا جئت أذاً؟”
“دعاني والدك إلى هذه السهرة. و لبيت الدعوة لأنه يعجبني. لنتوقف عن الكلام الفارغ. و تعالي نتمشى قليلاً”.
عرفت ديانا في الحال انها على وشك خسارة حريتها و استقلالها.
“دعني أخبر والدي بذلك…”
“سأتولى أنا الأمر. أذهبي و أبحثي عن معطفك”.
تنازلت عن فكرة المقاومة. و ذهبت تبحث عن معطفها المخملي الأسود. وضعته على كتفيها و خرجت مع جايسون يتمشيان, يدها بيده. إلى أين؟ كانت تجهل ذلك و لم يكن يهمها الأمر, فهي معه و هذا يكفي.
فجأة قطع جايسون حبل الصمت قائلاً:
“تأخرنا, و حان الوقت لأن اودعك. و لكن بعد ان اوصلك إلى البيت”.
اوقف جايسون سيارة تاكسي, التفت نحوها و سألها:
“هل منزلك بعيد؟”
و قبل ان يسمع الجواب, وضع يديه حول كتفيها. فرفعت رأسها هامسة:
“حوال ربع الساعة”.
عانقها طويلاً إلى أن وصل التاكسي إلى الشارع الذي تسكن فيه ديانا, فهمس:
“اريدك يا صيادتي الصغيرة, اريد ان اتزوجك. هل هذا ممكن؟”
و من دون وعي قالت:
“لكن لم نتعرف إلى بعضنا إلا منذ قليل. و انا اعرف القليل عنك. كما أني لا أحبك”.
قال ساخراً:
“هل هذا صحيح؟”
ابتعد عنها و أضاف:
“أريد ان اتزوجك يا ديانا. هل تقبلين ان تكوني زوجتي؟”
و من دون تردد اجابت:
“نعم”
و في الحال شعرت بفرح عميق يجتاحها و فهمت انها وقعت في غرامه.
“سنتزوج بعد ثلاثة اسابيع, اي خلال زيارتي المقبلة إلى لندن”.
“نعم لكن… انت غير جدي… سوف تنسى”.
“أتعتقدين ذلك؟ معرفتك بي خاطئة. عندما اريد شيئاً, أفعل المستحيل لأحصل عليه. سنتزوج اذن بعد ثلاثة اسابيع”.
فتح باب السيارة و نزل منها. ثم ساعدها على النزول. و على الرصيف كان يمسك بها و يتفحص وجهها المرفوع صوبه. ثم قبلها في جبينها و قال:
“إلى اللقاء القريب, يا ساحرتي الصغيرة. كوني جاهزة للوقت المحدد”.
انتظر حتى فتحت باب المدخل و قبل ان تدخل إلى البيت, تطلعت إلى الوراء. أشار اليها بتحية قصيرة و صعد إلى سيارة التاكسي. و ظلت ديانا واقفة حتى اختفت السيارة عن الأنظار.
في اليوم التالي, تناولت ديانا فطور الصباح مع والدها كالعادة.
سألها:
“أمل أن يكون جايسون كلارك قد تصرف معك التصرف اللائق”.
كانت ديانا تجهز لنفسها ساندويشاً من المربى. فلم ترد على سؤال والدها في الحال. و بعد ان انتهت من تحضير الساندويش, رفعت رأسها و راحت تتأمل وجه والدها, و قالت:
“يريد أن يتزوجني”.
رفع كريستوفر فارلي حاجبيه, و قال:
“يا الهي! لماذا؟”
و كعادتها, و خاصة بعد وفاة والدتها, كانت ديانا تتحدث عن مشاكلها مع والدها. و غالباً ما كان يقدم لها النصائح التي كانت تعمل لها باخلاص. لكن, هذه المرة بالذات, كانت تشعر برغبة في ان تحتفظ لنفسها بكل ما حدث معها تلك الليلة. قالت”
“أعتقد, أني أعجبه”.
“يبدو لي أنها طريقة مستعجلة للخوض في مغامرة الزواج. فهمت من طريقة حديثك أنك موافقة على عرضه”.
“نعم”.
“و متى ستتم حفلة الزواج؟ اعتقد انكما تنويان عقد زواج مدني, اليس كذلك؟ لأني لا اعتقد ان جايسون من نوع الرجال الذين يخضعون للطقوس الدينية”.
“قال اننا سنتزوج بعد ثلاثة اسابيع, بعد ان يعود من لندن. يا ابي, هل عندك شيئ ضد هذا الزواج؟ ارجوك ان تقول ما رأيك؟”
اجابها و هو يبتسم:
“رأيي لن يغير شيئاً, على ما أظن. و بما أنه سيقوم بالمعاملات القانونية لاتمام هذا الزواج, فلا خوف عليك اذن. لكن هذا لا يمنعني من التفكير بأنك ما زلت غير مستعدة للزواج يا عزيزتي”.
اجابت ديانا و هي مستعدة للدفاع عن نفسها:
“عمري واحد و عشرون عاماً”.
“لك أكن أفكر بعمرك, بل بنظرتك إلى الحياة. لقد عشت حياة سهلة, و كلارك مغامر خطير, و لم يكن دائماً في المجتمعات الفضلى. اعتقد انك لست في مستواه و من الصعب عليك ان تنسجمي معه. ربما بعد سنة أو سنتين…”.
“لا أعتقد أن في وسعنا أن ننتظر سنة… أو أكثر”.
و لاحظ والدها أحمرار خديها فقال:
” هكذا أذن؟ ما علي ألا أن أبارك زواجك. هل تريديني أن استعلم عنه؟ لقد قمت بأعمال للمؤسسة التي يعمل فيها حالياً. و اعتقد انهم لن يمانعوا بتزويدي بالمعلومات اللازمة عنه”.
“نعم, اريد منك ذلك, و ارجوك, يا ابي. ألا تكلم أحداً في هذا الموضوع… أعني ليس الأن ربما… من الممكن أن…”
توقفت عن الكلام, فلم تكن تريد ان تظهر مخاوفها, أو أن تبدو منها أية شكوك في حقيقة مشاعر جايسون نحوها.
” تخافين ألا يحقق جايسون ما وعدك به؟ يبدو أنك غير واثق منه تماماً. و هذه ليست نقطة انطلاق حسنة, يا ابنتي”.
“ليس هذا ما اعنيه. لكنني لا اريد أن يعتبرني الجميع انانية حمقاء اذا لم يتم هذا الزواج. انت تفهم قصدي, أليس كذلك؟”
طوى والدها جريدته, وضعها تحت ابطه و نهض. ثم قال لها و هو يداعب خدها:
“اعتقد انك على حق. انت تحرصين على كبريائك. لا تخافي سأحتفظ بالسر. و ما عليك إلا أن تطلعيني باستمرار على كل ما يتم معك”.
لم تعش ديانا من قبل ثلاثة اسابيع بطيئة مثل هذه الأسابيع.
ولى شهر نيسان “ابريل” و جاء شهر ايار “مايو”. كانت الشمس ساطعة و الهواء منعشاً. عبقت الحدائق بأزهار النرجس. براعم الكستناء بدأت تتفتح و بعضها يزهر أوراقاً صغيرة. العشب الذي يكسو ارض الحدائق يخضر و ينمو. و في معهد الفنون الجميلة حيث تتابع ديانا دروسها, أوشك الفصل على الأنتهاء. يبقى فصل واحد و تحصل ديانا على شهادتها و تتخرج.
براً بوعوده, حصل كريستوفر فارلي على بعض المعلومات حول شخصية جايسون: رجل أعزب, في الثانية و الثلاثين من عمره. درس في هيوستن و هو يعمل لدى الشركة نفسها منذ ان انهى دراسته الجامعية. كلها معلومات معروفة إلا واحدة تقول: جده والد أمه, يدعى وليم د. رامو و هو نائب رئيس الشركة نفسها.
قال لها كريستوفر:
“على الأقل, تعرفين الأن أنه لم يكن متزوجاً, كما أن رجل ذو مكانة”.
لكن الشيء الوحيد الذي كان يهمها هو ان جايسون اخبرها الحقيقة. و هي الأن تعد الأيام التي تمر. عشرون يوماً مضت حتى الأن. و في الغد سيكون هنا.
و في اليوم التالي جائت العمة. جرتورد فارلي لتمضية اسبوعين مع العائلة قبل سفرها إلى امريكا لزيارة بعض الأصدقاء. انها امرأة طويلة القامة, ذات وجه بارز التقاطيع, لا يزال يحافظ على بعض من جماله. كانت راقصة في شبابها. في العادة كانت ديانا تفرح عندما تزورها عمتها التي تعيش في كورنويل, في غرب انكلترا, حيث تملك بيتاً قرب البحر, كانت تزوره ديانا في عطلة الصيف عندما كانت صغيرة السن. لكن هذه المرة, شعرت بأنها عاجزة عن استيعاب حكايات عمتها و قصصها الطريفة. لقد استولى جايسون على تفكيرها كله.
مضت ثلاثة اسابيع و خمسة ايام, من دون ورود خبر واحد من جايسون. لقد كذب عليها. و هو لم يكن ينوى ان يتزوجها. لا بد انه وجد امرأة غيرها, مستعدة ان تمنحه ما يريده, دون ان يتزوجها.
قبل بومين من عيد الفصح, كانت ديانا تتناول فطور الصباح مع عمتها جرتورد عندما سمعت جرس الباب. انه جايسون يحمل ازهار النرجس و على شفتيه ابتسامة عريضو.
“صباح الخير”.
دخل من دون ان ينتظر منها ان تدعوه إلى الدخول. و ضع الورد بين ذراعيها و قبلها على وجنتيها و قال:
“أني أراهن انك كنت تعتقدين انني نسيتك؟”
كان يرتدي بذلة غير رسمية, كحلية اللون, فوق قميص زرقاء فاتحة. همست ديانا قائلة:
“نعم, تقريباً”.
عانقها من جديد بينما كانت العمة جرتورد تهمهم غير مصدقة ما يجري أمامها. ذلك ان ديانا لم تخبرها عن شيء. سالت العمة بلهجة متعالية و هي تنظر إلى ديانا:
“من أنت, أيها الرجل؟”
اجابها بلطف:
“جايسون كلارك, سيدتي”.
توجه صوب العمة, و مد يده ليصافحها قائلاً:
” أنت من تكونين؟”
“جرتورد فارلي, عمة ديانا”.
و راح جايسون ينتقل في نظره بين ديانا و عمتها و يقول:
“أني ألاحظ الشبه. و إذا ظلت ديانا تشبهك عندما تصبح في عمرك, فلن أكون نادماً على أني أتخذتها زوجة لي”.
و صرخت جرتورد:
” زوجتك؟ هل تنويان الزواج فعلاً؟”
“نعم, بالطبع, و اليوم بالذات, الساعة الثانية بعد الظهر. أحتجت إلى بعض الوقت لأدبر الأمور. لم أكن أريد أن…”
التفت جايسون نحو ديانا و عيناه تبتسمان, و همس قائلاً:
“لم أجرؤ أن أراك قبل أن أكون رتبت كل شيء”
“اليوم, بعد الظهر؟ لكنني يا جايسون, لا أقدر…”
“بلى, بلى, الزواج سيكون بعد ظهر اليوم…”
و سألتها العمة:
“ديانا, لماذا لم تخبريني؟”
تدخل جايسون وقال:
“لأنها لم تكن متأكدة مني. لقد تأخرت خمسة أيام و لابد أنها فكرت أني لم أكن صادقاً”.
” هل والدك على علم يا ديانا؟”
“نعم, أخبرته, في اليوم نفسه, عندما عرض علي جايسون الزواج”.
” ومنذ متى يعرف أحدكما الأخر؟”
اجبا جايسون و هو يغمز ديانا:
“منذ سنوات, لكن التقينا فقط منذ أربعة أسابيع, أمل أن تحضري حفلة زواجنا, أيتها العمة جرتورد”.
“أني… أه…”
شعرت أنها عاجزة عن الكلام. لكن سرعان ما أستعادت شجاعتها لتقول بلهجة قاسية:
“أعتقد أنك مجنون حقاًُ لتقرر الزواج بهذه السرعة”
“هذا معقول جداً. عاجلاً أم أجلاص يصبح الأنسان مجنوناً بسبب الحب”.
“يجب أن تعلم أن ديانا ليست مستعدة للزواج. فهي ما زالت صغيرة و ساذجة. لا تعرف ما معنى الحب. و هي تحتاج إلى مزيد من التجارب”.
و فوجئت ديانا عندما رأت جايسون يهز رأسه قائلاً برصانة:
“أني أقدر مدى أهتمامك. لكن لا تخافي سأغازلها بعد الزواج”.
تفرست العمة جرتورد بشيء من المودة و قالت:
“اذن, سأحضر زواجكما بعد الظهر. هل ستقومان برحلة شهر العسل؟”
“لم أفكر في هذا الأمر, لأن الوقت لم يسمح”.
“لماذا لا تذهبان اذن إلى كورنويل. حيث يمكنكما أن تسكنا في منزلي خلال غيابي”.
“لكنو يا عمتي, جايسون…”
شعرت ديانا بذعر مفاجئ. فالتفت جايسون نحوها قائلاً:
“ألا تريدين أذن ان تتزوجيني؟”
رآت ديانا عيني جايسون الزرقاوين يلمعان بالرغبة, فهمست بعد أن استعادت وعيها:
“نعم”.
“أذن, كل ما عليك فعله, هو ان تضعي يدك بيدي, اليوم بعد الظهر, و نذهب معاً إلى مكتب الزواج و نعقد قراننا”.
كان شهر العسل حلماً تحقق بالنسبة إلى ديانا. كان الطقس جميلاً و دافئاً, مما اتاح لهما قضاء معظم الوقت خارج المنزل. راحا يتنزهان على طول الشاطء أو يتسلقان الشواطئ الصخرية حيث ينبت العشب الأخضر. كانا يركضان ثي يسقطان أرضاً, و هما يضحكنا و يلهثان فرحاً.
بعد أسبوع, تبين لديانا أنها تعرف جايسون أقل مما هو يعرف عنها. كانت هي دائماً التي تتكلم, و عندما كان يأتي دوره, كان يفضل العناق على الكلمات, و هي منغنسة في حبها, كانت تنسى ما سألته. و تبقى الأسئلة من دون جواب.
قالت له يوماً عندما كانا ممددين على العشب يأخذان حمام شمس:
“لابد أن لكأهلاً مقربين”.
أجابها بكسل:
“هل هذا ضروري؟”
“كل انسان له أب و أم و أخ…”
“نعم, كان لي أب أنكليزي ولد في منطقة لانكشاير. كما أن لي أبناء عمومة, هناك في الشمال”.
بقيت ديانا جاملدة لا تتحرك. واضعة يديها على ذقنها. كانت تحبس أنفاسها. فقد قرر أخيراً أن يحدثها عن عائلته. أستأنف جايسون الكلام و قال:
” توفي والدي في السهل الأكوادوري. كان عالماً في الفيزياء, متخصصاً في الأراضي. و كان ينقب عن البترول للشركة التي أعمل فيها الأن. و هناك تعرف إلى والدتي. كانت تقوم بزيارة للبلاد. و كان لوادلها مركز مهم في الشركة نفسها. أحبها والدي و تزوجا في كيتو و عاشا هناك فترة من الزمن. و أنا ولدت في الأكوادور. لهذا السبب, عندما سألتني من أي بلاد أنا, لم اعرف بماذا أجيب. كان والدي انكليزياً و أمي أميركية و أنا أكوادوري بالولادة”.
“كمبقيت في الأكوادور؟”
“إلى أن اصبح عمري ثمان سنوات. ثم قررت والدتي, التي كانت تشرف على تربيتي أن تدخلني المدرسة في هيوستن. و لذلك انتقلت وظيفة والدي إلى هيوستن. لكنه لم يكن قادراً على الثبان في مكان واحد. كلما سنحت له الفرصة كان يذهب للتنقيب في بلاد أخرى, و في أحدى المرات, عاد إلى الأكوادور ليشرف على الحفريات هناك, و قد قتل في حادث حريق اصاب أحد المناجم النفطية”.
“و كم كان عمرك حينئذ؟”
“12 سنة… و توفيت والدتي بعد سنتين بمرض السرطان”.
” ومن أهتم بك بعد ذلك, أجدادك؟”
“كلا, سكنت عند بيل, شقيق والدتي. و هو الأن نائب رئيس الشركة التي أعمل فيها. لك أكن سهلاً و خاصة عندما كنت في سن المراهقة. و عندما قررت أن أغادر المدرسة لكي ألتحق بالعمل في مؤسسة بترولية, تنفس خالي الصعداء.
اني أشبه والدي, لا أثبت في مكان واحد”.
وضعت ديانا رأسها على كتف جايسون, و شعرت بسعادة غامرة بقرب هذا الرجل المتشرد الذي قرر التخلي عن حريته ليزوجها.
قال جايسون بهدوء:
“يجب أن نعود غداً”.
“لماذا؟”
استدار نحوها, و قال:
“يجب أن أعود إلى عملي, في الشمال”ز
لم تتوقع ديانا أبداً ماذا سيحدث بعد نهاية شهر العسل. كانت تظن أنهما سيستقران في أحدى ضواحي لندن, كغيرهما من المتزوجين.
و لم تتوقع أبداً. أن تجد نفسها وحيدة بهذه السرعة.
“هل يمكنني مرافقتك؟”
اجابها بلهجة حازمة:
“كلا”.
“لماذا؟”
“لأن ذلك مستحيل”.
“لكن, ماذا علي أن أفعل؟”
“ما كنت تفعلينه قبل زواجنا. استمري في القيام بأعمالك الخاصة التي ليس لها علاقة بنا. أستأنفي الذهاب إلى الجامعة و احصلي على شهادتك.ثم أبحثي عن العمل الذي تحبينه و الذي حدثتني عنه مرة.
ان زواجك مني لا يمنعك من ان تفعلي ما تحبين…”
“لكن, يا جايسون, اريد أن أكون حيثما تكون أنت. أريد أن أكون في انتظارك كل مساء عندما تعود من العمل. و ليس فقط مرة كل ثلاث أسابيع”.
شعر جايسون بشيء ما في داخله انعكس في عينيه. راح يداعب وجنتي ديانا, ثم شعرها, بنعومة فائقة. و همس قائلاً:
“أنت انسانة لكن لا أستطيع ان اخذك معي إلى منطقة التنقيب عن النفط خصوصاً الذي أعمل فيه الأن, أنه في وسط البحر”.
“يمكنني أن أبقى على الساحل. أني أعرف فتاة متزوجة من عامل حفريات, و هما يسكنان في منزل في بيترهيد, القريب من عملك”.
“كلا, لن أبقى هناك مدة طويلة. فلا داعي لأن تتركي مدرستك من أجل هذا. عليك أن تبقي هنا في لندن و تعثري على شقة, و سأوافيك إلى هناك كلما سنحت لي الظروف”.
خاب أمل ديانا. البحث عن شقة ليس سهلاً. ثم أنها لا تعرف كيف تفرشها و هي التي تجهل تماماً أي نوع من الأثاث يحب.
“أه, يا جايسون, لا أريدك أن تذهب. ألا يمكنك الحصول على عمل في مكان ثابت؟”
نهض جايسون فجأة و دار لها ظهره و قال:
“ليس الأن. لأنني لست مستعداً لذلك. قد يحصل ذلك يوماً. و لكن ليس في هذه البلاد… لا تحاولي احتجازي, أيتها الصيادة, فلن تنجحي”.
صرخت ديانا في كآبة:
“لماذا تزوجتني أذن, اذا كنت لا تريد أن تبقى معي”.
ادار وجهه و حدق بها. ثم انحنى صوبها و شعرت به يلتصق بها و سمعته يهمس قائلاً:
“أنت تعرفين لماذا, على ما أعتقد. لم يكن بوسعي أن أفعل شيئاً أخر”.
كان صدى كلمات زوجها و لمسات يده على شعرها و رائحة جلده, كلها تتفاعل في داخلها. هي أيضاً لم يكن في وسعها أن تفعل شيئاً أخر.
و في اليوم التالي, عادا إلى لندن و أمضيا الليلة في منزل والدها. و في الصباح التالي, سافر جايسون إلى شمال انكلترا و بدأت ديانا تبحث عن شقة تستأجرها.
و بمساعدة صديقتها اونيس, استأجرت شقة صغيرة في الطابق الثاني من بناية قديمة تطل على نهر التايمس. و كانت ديانا مُدينة لصديقتها على هذه المساعدة برغم معرفتها ان اونيس و بول ازعجهما زواجها المفاجئ فلم يعلقا عليه و لم يهنئاها أيضاً.
كتبت ديانا رسالة إلى جايسون ابلغته فيها عنوان الشقة ثم راحت تهتم بشراء المفروشات اللازمة لفرشها. و خلال اسبوعين, كانت قد اشترت سريراً عريضاً و خزانتين, و طاولة و كرسيين و وسادات عدة وضعتها في قاعة الأستقبال.
و في أحد الأيام, كانت عائدة من الجامعة, دخلت إلى غرفة النوم ففوجئت بجايسون نائماً في السرير. استيقظ لدى سماعه خطواتها و صرختها. و تعانقا بحرارة. بقي جايسون مع ديانا ثمانية أيام, ثم سافر إلى الشمال عائداً إلى عمله. و خلال الأشهر التالية, كانا يفترقان للمدة اسبوعين أو ثلاثة, ليلتقيا أسبوعاً واحدً. و لما كان يذهب كانت ديانا تشعر بالملل, لكنها سرعان ما كانت تستأنف حياتها العادية, في الجامعة, لنيل الشهادة المطلوبة, و في العمل في مؤسسة صغيرة كرسامة تبتكر النماذج لأزياء الثياب النسائية. كل ذلك يساعدها على تحمل العيش وحدها حتى عودة جايسون.
و كلما كانا يلتقيان, يشعران بسعادة كبرى ولم يتشاجرا إلا نادراً جداً. و خلال أقامته في لندن, كانت ديانا تتعرف إلى جايسون أكثر فأكثر. كان يحب الموسيقى الرقيقة و يحب حضور الحفلات الموسيقية الكلاسيكية التي تقام في الصالات الكبرى في لندن. كان يحب الأستفادة من أمواله و يصرف من دون حساب, و يشتري الأثاث الثمين ليزين شقته, كما كان يغدق على ديانا الهدايا الفاخرة.
و عندما تكون ديانا وحيدة, كانت تمضي معظم وقتها مع صديقتها اونيس التي كانت تسكن في جوارها. و غالباً ما يكون شقيقها بول موجوداً معهما. لكن عندما يعود جايسون, تعدل ديانا عن رؤية احد. فقط تقوم بزيارة لوالدها بطلب من جايسون نفسه.
في أحد الأيام, بعد أن سافر جايسون, سألتها أونيس قائلة:
“ألا تسألين أبداً ماذا يفعل جايسون عندما يكون بعيداً عنكِ؟”
“يمضي الوقت في عمله”
“ليس هذا ما أريد أن أقوله. اقصد عندما لا يعمل, أي في وقت الفراغ. مثلاً في عطلة نهاية الأسبوع, عندما لا يكون قادراً المجيء إلى لندن. ماذا يفعل, يا ترى؟”
أجابتها ديانا بلهجة خفيفة:
“أنه ينتظر أن يراني بفارغ االصبر”.
عند عودته وجد جايسون زوجته ديانا متغيرة, تريد أمتلاكه.
قال لها:
” لا تكوني مثل النساء اللواتي يحببن أمتلاك ازواجهن, ايتها الصيادة, و ألا فلن أعود أليك في المرة المقبلة”.
و أمضت ديانا الأسابيع التالية و هي تتسائل ما أذا كان جايسون سينفذ ما هددها به. و لكي ترفع من معنوياتها دعتها اونيس إلى العشاء و قالت لها:
“زوجك يفعل كل ما يريد, أليس كذلك؟ أنه يتمتع بك كزوجة و لا يتحمل أي مسؤولية. و أنت تدعينه يفعل ما يريد من دون اعتراض!”
أجابتها ديانا:
“ليس بذلك المنظار نرى الأشياء و نحكم عليها. لماذا أنت و بول لا تحبانه؟”
” و ما الذي يجعلك تعتقدين ذلك؟”
“موقفكما منه”
“ما دمت تريدين الحقيقة, أقول لك أنني لا أعتقد أنه الزوج المناسب. و من جهة ثانية, أن شقيقي بول انسان تعس و حزين, و ذلك بسببه هو”.
“لماذا؟ أني لا أفهم”.
اجابتها أونيس محتدة:
“ألم تلاحظي أن بول وقع في غرامك منذ اللقاء الأول بينكما. و انه كان يأمل أن يتزوجك يوماً؟ هل تصورت لحظة واحدة ما كانت ردة فعله عندما قررت الزواج من هذا الرجل المغامر؟”
“ليس جايسون بانسان مغامر. لماذا تقولين ذلك عنه؟”
“لأن كل رجل مغامر, يجذب النساء؟”
اجابتها ديانا في توتر:
“لكنني زوجته, و المرأة الوحيدة التي يحبها”.
“كيف تكونين في مثل هذه السذاجة؟”
“أنت… تريدين أن تقولي أن جايسون… كيف تتجرأين ان تقولي هكذا عنه! أني أعرفه جيداً, فهو ليس كما تتوهمين”.
أجابتها أونيس
“يبدو أنك لا تعرفينه جيداً. أنت ما زلت متأثرة بسحره و لم تفكري يوماً أن تساليه لماذا يتأخر أحياناً ليعود إلى لندن…”
أجابتها ديانا في غضب شديد:
“اونيس, اذا كنت تريدين أن تبقي صديقة لي, فأرجوك الا تضيفي شيئاً . أني أثق في جايسون تمام الثقة و أني متأكدة من أنه الزوج الذي لا يخون زوجته”.
“في هذه الحال, واسفاه عليك”.
غيرت اونيس فجأة لهجتها و اقتربت من ديانا و اضافت في صوت ناعم:
“الا ترين أني أقول ما أقوله من أجل سعادتك؟ أنا اريد أن تكوني أنسانة سعيدة؟ لو أنك أطلعتني على نيتك الزواج منه, لكنت نبهتك و أخبرتك حقيقيته, أنه انسان من دون قلب و لا عاطفة, رجل وقح, “دون جوان” حقير…”.
و فجأة تهدج صوت أونيس. و وضعت رأسها بين يديها. و نظرت ديانا إليها و تذكرت ان اونيس التقت جايسون قبلها. ربما هي ايضاً وقعت في سحره, و ربما… لكنها رفضت أن تعتمد مسبقاص على العلاقات التي يمكن أن تكون حدثت بين أونيس و زوجها.
أجابتها ديانا ببرود:
“أشكرك لأنك تحذريني الأن, يا أونيس”.
شعرت ديانا بالدم يتجمد في عروقها. قررت أن تغير الحديث.
“متى ستذهبين إلى باريس؟ هذا لطف من مديرك أه قرر أن يعهد اليك بمهمة الرئيسة”.
رفعت اونيس رأسها و ابتسمت. ثم أخذت يد ديانا و شدت عليها و قالت:
“أنت أنسانة رائعة, يا ديانا. لكنك سريعة العطب. لا أريد أن أراك تتألمين. أني ذاهبة إلى باريس في الغد. و سأتصل بك حالما أعود.
بعد مضي أسبوع, عاد جايسون إلى لندن, كان من المنتظر أن يعود قبل ثلاثة أيام. و كان صامتاً و متعباً. و كالعادة, فرحت ديانا لدى رؤيته و لم تطرح عليه أي سؤال. كان يكفي أن يأخذها بين ذراعيه لتنسى كل الشكوك التي كانت أونيس تحرضها عليها.
و في الغد, رن جرس التليفون. فاستيقضت ديانا من نومها. لكن جايسون كان ينام بعمق فلم يسمعه. نهضت ديانا من سريرها و وضعت عليها مئزرها المطرز الذي قدمه اليها جايسون و خرجت من الغرفة لترد على الهاتف الموجود في البهو.
“صباح الخير, يا عزيزتي, أونيس تتكلم معك, لقد عدت من باريس البارحة. اتريدين أن تأتي بعد الظهر لزيارتي و تناول الشاي نعي؟ و سأخبرك عن سفري. و كذلك سيأتي بول بعد العمل”.
“لا يمكنني أن أزورك اليوم, يا أونيس. فقد عاد جايسون البارحة”.
“صحيح, هل أخبرك عن مغامرته الخاطفة في باريس؟”
” باريس ”
قطبت ديانا حاجبيها و القت نظرة على حقيبة جايسون و رات بطاقة كتب عليها: الخطوط الجوية الفرنسية.
و استطردت اونيس تقول:
“نعم, لقد رأيته في المطار, كانت ترافقه فتاة شابة جميلة و شقراء” كانت متعلقة بذراعه و قبلته قبل ان يودعها و يأخذ الطائرة”.
اجابتها ديانا و هي ترتجف:
“لا بد أنك أخطأت يا أونيس. ربما شاهدت رجلاً يشبهه”.
“اتعتقدين فعلاً أني مخطئة يا ديانا؟ أنت تعرفين أن لا أحد يمكن أن يشبه جايسون؟”.
اجابت ديانا و هي تحاول أن تمزح:
” تن لكل أنسنا على الأرض أخر يشبهه”.
“كلا, كلا, أن الرجل الذي شاهدته في مطار باريس هو جايسون بالذات: حسن المنظر, طويل القامة…تعالي معه اليوم بعد الظهر لزيارتي. و أنا سأقول له وجهاً لوجه أني رأيته. و سيسرني أن أرى ردة فعله”.
“أشكركو يا أونيس, أنا سأكلنه بدوري, إلى اللقاء”.
وضعت ديانا سماعة الهاتف بهدوء. ثم رأت جايسون واقفاص أمام باب غرفة النوم و منشفة الحمام حول خصره و شعره مشعث و عينها نصف مغمضتين. سألها:
“من كان يكلمك في الهاتف؟”
“أونيس, فهي تدعونا إلى تناول الشاي في منزلها اليوم بعد الظهر”.
أجابها بلهجة ساخرة:
“لا يمكنني أن أذهب, لم يبق لي هنا في لندن سوى ساعات قليلة, و ما زالت هناك أمور كثيرة أريد أن أطلعك عليها”.
قاطعته بحدة:
“لو لم تمض وقتاً لا بأس به في باريس, لكان عندك الوقت الكافي لتبقى معي وقت أطول, لماذا ذهبت إلى باريس؟”
لأشتري لك هذا المئزر المطرز و أجلب لك بعض العطورات الفرنسية. و لم يسمح لي الوقت أن أقدمها لك أمس”.
راح يفتش في حقيبته و يرمي ملابسه القذرة على الأرض.
فصرخت ديانا:
“أتنتظر مني أن أصدق ما تقول؟ لم تذهب إلى باريس ألا لشراة بعض الهدايا لي!”
نظر جايسون اليها في برود و قال لها من دون أي اضطراب:
“كانت هناك أيضاً بعض الاعمال التي كنت مضطراً أن أقوم بها”.
التقط علبة مليئة بالعطور و قال لها:
“خذي, هذه لك, هذا ما تحلم به كل امرأة”.
رات ديانا الهدية المغلفة بالورق الثمين و المزينة يالشرائط المذهبة و عليها اسم مشهور في عالم العطور. لابد أن تكون هذه الهدية كلفته الكثير من المال, كبقية الهدايا.
فالت له:
“لا أريدها, و من الأن فصاعداً لن تشتري سكوتي بالهدايا”.
رات وجهه يشحب و هو يعض على شفتيه من الغضب. رمى بالعلبة أرضاًَ كما لو أنها ممسحة قديمة. ثم اقترب منها و قال في هدوء:
“ماذا هناك, يا حبيبتي؟”
“أني… أني لا أصدق أنك تقول لي الحقيقة. أني اعتقد أنك ذهبت إلى باريس لرؤية… امرأة أخرى”.
أجابها و السخرية تملأ صوته:
“أما زلت غيورة؟”
وضع جايسون يده حول خصر ديانا راح يلامس خديها بفمه. احست ديانا بالأشمئزاز و ابتعدت عنه صارخة:
“لا تلمسني, فأنا لا أحتمل ذلك!”
أجابها بجفاف:
“هذا لم يكن يزعجك البارحة مساء. ماذا جرى حتى تبدلت؟”
القى نظرة على الهاتف و فجأة فهم كل شيء:
“لست في حاجة إلى أن تقولي لي ما حدث. أنها هذه المرأة…”
توقف قليلاً عن الكلام و تفرس في ديانا و عاد يقول:
“أخبرتك لماذا ذهبت إلى باريس. لماذا لا تصدقينني؟ ألا تثقين بي؟”
همست ديانا قائلة:
“كلا, يا جايسون, لم أعد اثق بك بعد الأن”.
ادار وجهه فجأة, و دخل الحمام و صفق الباب خلفه.
تكومت ديانا في الكنبة, حزينة حتى الموت. فهي لا تصدق ما حدث الأن. لقد كذب عليها جايسون و هو ينتظر منها أن تصدقه و الا تشك بكلامه.
ألقت نظرة على ارض الصالة, فوجدت الثياب القذرة. و كأنسان ألي راحت تلملمها. و اذا بورقة صغيرة تقع من احد جيوب القميص. التقطتها بغية رميها, و لكن لم تستطع أن تمنع نفسها من قراءة ما تحتويه:
“جايسون, أتوسل أليك أن تأتي إلى باريس. فأنا في حاجة إلى مساعدة. أني أمر في مأزق صعب. أذا كان لك قلب, فأرجوك أن تأتي إلى باريس بأسرع ما يمكن على العنوان الأتي ذكره أعلاه. كنت تقول لي أنك تأتي لزيارتي اذا طلبت منك ذلك. و كنت تقول: أينما كنت و في أي وقتز أذاً, حان الوقت لأن تساعدني. أنت الوحيد الذي يمكن أن يساعدني الأن. أرجوك أن تأتي. أقبلك, كارول”
رمت ديانا بالورقة التي راحت تتطاير قبل أن تسقط إلى الارضز و ألقت بالقمصان كما لو كانت مليئة بالجراثيم. لم يعد هناك أي شك: ذهب جايسون إلى باريس بناء على طلب أمرأة تدعى كارول.
ذهبت إلى المطبخ و راحت تحضر فطور الصباح. محاولة أن تنسى أحزانها, بانهماكها بعمل ما. مدت الطاولة و أعدت القهوة و البيض المسلوق.
دخل جايسون و جلس في كرسيه بدون ان ينطق بكلمة واحدة. ولاحظت ديانا أنه ما زال يجهل كيف يعقد ربطة عنقه كما يجب.
سيطرت الغيرة على مشاعر ديانا, و لم يكن في وسعها أن تتخيل مجرد التفكير بأن أمرأة كانت معه. فقالت:
“جايسون, أني مصرة على ان تخبرني كل الحقيقة. لماذا ذهبت إلى باريس؟”
“قلت لك الحقيقة. كنت أحل بعض المشاكل العائلية”.
“اذا كانت مشاكل عائلية, فلست أرى ما الذي يمنعك من أن تحدثني عنها. لا تنسى أني زوجتك”.
“أني أسف, لا يمكنني أن أحدثك عنها”.
“ولماذا؟”
“لأنك لن تفهمي ما ساقوله. أنك انسانة متزمتة تصدرين أحكاماًُ جائرة على الأخرين”.
قالت و هي على وشك البكاء:
“هل حقاً تفكر بي هكذا؟”
“أليس تصرفك هذا برهاناً قاطعاً؟”
كانت تريد أن تسأله من تكون تلك الفتاة التي تدعى كارول لكنها ادركت انها لو ارتكبت هذا الخطأ, فسيعرف أنها قرأت الرسالة و سيتهمها بالتجسس عليه.
“شاهدتك اونيس في مطار باريس. و قالت لي أنك كنت مع فتاة شقراء كانت تقبلك…”
“لقد عرفت أن اونيس وراء كل هذا “.
“أنها صديقتي, أني أعرفها من زمان و قبل أن اتعرف أليك بكثير”.
“صحيح, و لذلك تصدقين كل ما تقوله. و كل ما أقوله أنا, هو كذب”.
أنحنى امامها و قال بهدوء:
“اسمعيني يا حبيبتي, أن زواجنا يجب أن يقوم على الثقة المتبادلة, و الا, فليس علينا إلا أن نفترق حالاً. هل تريدين ان نفترق؟”
لم تعد تعرف ما تجيب. منذ أشهر مضت, كانت مكتفية بوجوده وحبه. أما الأن فأن هذه الأشياء لم تعد كافية بالنسبة أليه.
انهى جايسون طعامه و نهض. و نظرت ديانا إليه و رأته ينظر و يقول:
“الظاهر أن ليس لديك جواب. أما أنا, فليس في نيتي أن أفتش على برهان اثبت به براءتي. يمكنك أن تصدقي ما تريدينه!”
نهض و توجه نحو الغرفة و راح يوضب حقائبه.
سألته ديانا بصوت مرتجف:
“إلى أين أنت ذاهب؟”
“إلى هيوستن. دعتني الشركة لتبحث معي في نقلي إلى مكان أخر. كان في نيتي أن اصطحبك معي, لكن على ما اعتقد, تفضلين البقاء هنا, لتتناولي الشاي مع صديقتك أونيس و أخيها بول, هذا الخبيث!”
“بول ليس خبيثاً!”
“صحيح؟ ليس لدي الوقت و لا الرغبة في أن نناقش ذلك”.
قالت ديانا و هي تشعر أنه لن يغير تظرته اليها:
“جايسون, ليس في وسعك الذهاب هكذا”.
“أتعتقدين ذلك؟ و من الذي سيردعني عن الذهاب؟”
فتح الباب و حمل حقائبه و نظر اليها و قال:
“عمتك جرتورد كانت على حق. أنت لا تعرفين ما معنى الحب, حتى الأن, و على الأقل”.
“جايسون…أني…”
كانت على وشك الأعتذار, و أن تطلب منه أن يسامحها.
لكنه أقفل الباب بسرعة.
بقيت ديانا مذعورة و مضطربة. تريد أن تفتح الباب و تناديه.
لكنها لم تكن قادرة على ذلك.
و مثل أنسنا منوم مغناطيسياً, توجهت نحو غرفة النوم. و من النافذة رأته يشير إلى تاكسي. ثم يصعد في المقعد الخلفي و يختفي عن الأنظار.
أستدارت و وجدت خزانة الثياب مفتوحة و محتويات الجوارير فارغة. لقد أخذ جايسون كل أغراضه. و هذا يعني أنه لن يعود.
جلست ديانا أمام المرأة و عيناها ممتلئتان بالدموع. و اذا بها ترى العلبة التي جاء بها من باريس هدبة لها.
وضعت وجهها بين يديها و راحت تجهش بالبكار.
و شعرت بقلبها يتمزق!
====================
يمكنكم أكمال القصة من هنا …
http://www.haythoo.net/st001/
أتبعوا الأرقام بالترتيب.








