بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم,,,
كنتُ أحبس دموعي و أنا أرى هذه المنارة التي تطل على نافذتي القديمة تسقط كـسقوط رجل كبير في السن!
هل تعلمون إنني سكنت في مبنى هذا المآتم, بجوار هذه المنارة بالذات, لـمدة 17 سنة ” 1987 إلى 2004 “؟ منذُ عامي الثاني إنتقلت للسكن هـُنا حلى بلغت العشرين من عمري!
17 سنة لا أتخيل نفسي بدونها, 17 سنة رسمت حدود حياتي, 17 سنة جعلتني هيثم الذي أنا هو الأن, 17 سنة حددت هويتي, 17 سنة حفظتني من الكثير!
تـُرى كيف كنت سـ أكون لو لم أسكن هُنا؟ هل سـ أبدوا كما أبدوا عليه اليوم؟ هل سـ أفكر كما أفكر اليوم؟ هل أصدقائي سيكونون هم نفسهم أصدقاء اليوم؟
هل كنت سـ أذهب للمآتم منذُ الصغر لتسجيل نوائح الشيخ عبدالمحسن ملا عطية الجمري, لـ أذهب بالتسجيل لأمي و خالتي, و هل كنتُ سأجاور قريبي و صديقي الأقرب غسان, لأنزل في كل يوم و ألعب معه و أتغدى معه و أخرج معه, هل كنت سـأتعرف على أصدقائي الأعزاء؟ هل كنت سـ أتعرف على تقي و إخوته؟ على علي و علي؟ على كل أبناء هذه المنطقة…!
من أكثر الأمور التي أحمد ربي عليها, هو سكني في هذه المنطقة, فدائماً ما أخبر نفسي, إن كنت بهذا السوء الذي أنا عليه اليوم, فكيف كان سيكون بي الأمر لو كنت في منطقة إسكانية إخرى خارج قريتي!
لدي قناعة تامة, هي بالإحرى حقيقة بسيطة, البيئة التي يسكن بـها الإنسان هي التي ترسم ملامح هويته. لكل إنسان عقل, و كل إنسان له حرية تامة في إستخدام هذا العقل, مهما يُقال من أقوال, في النهاية الأنسان فعلاً هو من يحدد ما يدور في عقله, حتى من يتعرضون لغسيل مخ, لم يحدث لهم هذا إلا بسبب سماح عقولهم لهذا الأمر بالحدوث!. الأمر الأهم الذي يأثر في طبيعة إستخدام الإنسان لعقله, هي البيئة التي تكون فيها هذا العقل, فـ إذا كانت الطماطم تختلف بـ إختلاف البيئة التي تُزرع فيها, فـ كيف بـ عقول الناس!
تربيت في هذه المنطقة, عشت أجمل أيام حياتي في هذه المنطقة, كانت الامور بسيطة جداً, بسيطة لـحد إنني أتوق للعودة للوراء, لـ أعيش ببساطة, و أبتعد عن المشاكل التي حدثت بسبب هذه الطفرات!
عندما أسير في القرية الأن, أشفق على الأطفال, فهم بالتأكيد لم يعاصروا ما عاصرناه من فعاليات و أحداث جميلة جدا!. هم لم يتجسسوا على عملية تزاوج أبقار المرحوم إبراهيم الغانمي, هم لم يذهبوا لبحر البديع للحداق ” صيد السمك “, هم لم يذهبوا إلى الدفنة للحبال ” صيد الطيور “, هم لم يذهبوا لمزارع الشيخ محمد لقطف الكنار, هم لم يحضروا زفات الأعراس القديمة, هم لم يلعبوا الألعاب الجميلة كـ القب, الحرقة, السيلنقو, العقيلة, سبيرو, و إلخ من الألعاب الجميلة, و الأعظم إنهم لم يذوقوا اللبن الذي تثلجه إم صديقي و تبيعه, و لم يتذوقوا إسكريم أبو الحب!








