لا يوجد إنسان عاجز في هذه الدنيا

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم

لازلت أذكر تلك الحلقة من أحد المسلسلات المحلية الرمضانية القديمة. لازلت أذكرها و أفكر في الفائدة التي أستفدتها من هذه الحلقة. كانت الأحداث تدور حول شاب عاجز ” جمعان الرويعي “. كان الشاب لا يستطيع المشي. كان ينظر من النافذة إلى من في سنه كل يوم, طوال فترات حياته. كان ينظر إليهم و يندب حاله, و يطلب من الله أن يُنعم عليه بساعة واحدة فقط, يستطيع فيها المشي. كانت الفتاة التي أحبها قلبه تأتي إليه في كل يوم و تحادثه من النافذة التي تعتبر المنفس الوحيد له, و المكان الوحيد الذي يُطلعه على العالم الخارجي. كان يتمنى أن يأتي يوم من الأيام و يقوم هو فيه بالذهاب إليها و مفاجأتها. و لكن عجزه, أو إعاقته تمنعه من ذلك. كان يعيش وحيداً مع والدته ” لطيفة المجرن ” التي شقيت من أجل توفير أفضل سبل الراحة و العيش إليه. كان يحلم في يوم من الأيام أن يرد إليها جزء بسيط من هذا الدين, و يكافأها و يجعلها سعيدة و مرتاحة كباقي الأمهات. لم يكن لديه غير خاله ” إبراهيم بحر ” و إمه. كان خاله يلح عليه بأن يأتي إليه بعكازين يساعدانه على المشي. و لكنه كان يرفض دائماً. كان يتخيل أمور, و يتصور أحداث, الله أعلم إن كانت ستحدث أم لا. كان يتخيل نفسه يمشي بالعكازين و يسقط أرضاً فلا يجدغير الضحكات تتعالى من أفواه من في سنه, و حتى خاله و أمه و حبيبته. بقي كما هو, ينتظر كل إشراق للشمس و كل غروب. ينظر من نافذته و يحلم.

زاره خاله كالمعتاد في يوم مشمس. بدأ الحديث, و قال, كم أتمنى لو كنت أعمى بدلاً من كوني عاجز عن المشيء. صمت قليلاً, و ذهب به التفكير, و تخيل نفسه أعمى. لم يكن يستطيع النظر, كان يمشي و يتخبط. كان يذهب لزيارة حبيبته, و لكنه لم يستطيع رؤيتها. نطق مرة أخرى, و قال, لا لا, لو كنت أصم لكان الحال أفضل. شرد ذهنه مرة أخرى, و تخيل نفسه أصم. كان جالساً في غرفته, و كانت والدته في المطبخ كعادتها. تعرضت والدته لحادث حريق, و كان تصرخ و تطلب النجدة, و لكنه كان أصم, و لم يسمعها. تغيرت ألوانه فجأة و قال, لا لا, مستحيل أن أكون أصم, أفضل شيء أن أكون أبكم. تخيل نفسه أبكم, غير قادر على الكلام. كان يريد أن يذهب لحبيبته, و يحادثها بخفية عن الجميع, كحال بقية الشباب, من نافذتها المطلة على أحد الممرات. وصل لها, و كان حاملاً وردة. أعطاها الوردة, و كانت تبتسم, فأبتسم, و أراد أن يقول لها ” أنا أحبك “, لكنه لم يستطع, فأنهار و أخذ يبكي. عاد إلى العالم الحقيقي. نظر إلى خاله الذي أُغرقت عيناه بالدموع, و قال ” الحمد لله على كل حال, أتني بالعكازين يا خالي “. أتى الخال بالعكازين, و أستعان بهما الشاب على المشي, و خرج لأول مرة من بيتهم. أستقبله الأولاد من من في سنه بحفاوة, و رحبوا به بينهم, على عكس ما يظن. أستطاع أن يذهب لزيارة حبيبته لأول مرة, و قد رأى السعادة في عينيها و هي تراه قادماً لها. و الأجمل هو أنه رأى السعادة في عيني والدته, عرف أن أكثر الأمور التي تسعد والدته, هي رؤيتها له و هو سعيد.

من أجمل الأعمال التلفزيونية التي أحببتها, و من أكثرها فائدة. أستفدت من هذه الحلقة الكثير. تعلمت أنه يجب على الأنسان أن لا ييأس من رحمة الله, و أن يأخذ بالأسباب. تعلمت أنه يجب على الأنسان أن يحاول و يحاول, و أن لا يرفض مساعدة الغير له إن كان محتاجاً لها, متحججاً بالكرامة و الكبرياء. تعلمت أنه يجب على الأنسان أن يحمد ربه و يشكره بعدد ما حمد و شكر العباد, على النعم التي هو فيها. مهما كانت الأمور التي يعاني منها, فهو أفضل من غيره بكثير. الله أعلم بمصلحة عبده, و الله لا يقوم بأمر عبثاً, جل و تعالى. قد ننظر للأمور من بُعد واحد, و لكنها ذات أبعاد متعددة. لا يوجد أنسان كامل. الكامل هو الله. تعلمت أن لا أستبق الأحداث. تعلمت أن لا أحكم على أمر لا علم لي به. تعلمت أن أجمل شيء في الحياة هو أن ترى الأبتسامة على وجه من تحب. تعلمت أن أفضل شيء لزرع الأبتسامة على وجه من تحب هو الأبتسام أمامهم.
تعلمت أنه لا يوجد على هذه الأرض شخص عاجز. الأعمى, و الكسيح, و الأصم, و الأبكم, و غيرهم من ذوي الأحتياجات الخاصة, ليسوا عاجزين. أنما وضعوا في أمتحان. وفر الله لنا نعمة العقل و العلم. و بهذه النعم, يمكن لأي أنسان أن يقضي على عجزه الدنيوي.

تعلمت الكثير. للأسف لم أطبق إلا القليل القليل. أنا بحاجة لمراجعة نفسي ألف ألف مرة.

بالتوفيق

التعليقات: 6 | التاريخ: 2006/06/14

6 من التعليقات

  1. we-can says:

    معك حق ياهيثم، الإعاقة موجودة في داخلنا، نحن من نصنعها ونضخم تأثيرها علينا،
    لو فكرنا أننا قادرين على تحقيق كل مانريده لما سقطنا ضحية اليأس.

    موضوعك أكثر من رائع.

    استفدت منه كثيرًا.

  2. Haythoo says:

    أهلاً أختي الكريمة.
    فعلاً, نحن من نصنع و نضخم هذه الأعاقة و تأثيرها. نحن بحاجة للقليل من الأيمان بقدراتنا لكين نستطيع أن نحقق ما نطمح إليه.

    شكراً لكِ أختي, و أتمنى أن تطبقي ما أستفدتِ منه, و أن لا تكونِ مثي, أستفيد و لا أطبق :( .

  3. ضحك says:

    بسم الرحمن ..

    مرَّ وقت ٌ طويل على آخر زيارة لي لمدونتك الكريمة .. قرأت المساهمات السابقة ولكن أحببت أن أضع ردي هنا .. :)

    دائما ً ما أردد .. وكثيرا ً ” حين كنت مدمنة منتديات سابقا ً ” ما كتبت بهذا الموضوع مبيـّنة ً وجهة نظري وإيماني بأن لا يوجد هناك شخص عاجز سوى
    الفاقد للإيمان بنفسه قبل أي شيء ..

    ولكن هناك ” عقل عاجز ” .. و” أمل عاجز ” .. من ينسجان وهم العجز بروح البعض .. ليصدقان بعد ذلك الوهم .. ويعيشان فيه وبه ..

    وهناك من يوقن بأن لا مجال للعجز طالما الارادة والامل موجود .. ولكن بالوقت ذاته .. يصعب عليهم تطبيق هذه الحقيقة على أرض الواقع .. رُبما
    أكون منهم .. ولكن بفترات مؤقتة .. وهذه الفترات المؤقتة تستنزف طاقتي وارادتي .. وأشعر بها تستنزف أيضا ً ما تبقى لي من أمل ..

    ما أتمناه هو أن أصمد .. وأن يصمد ” الايمان ” بنفسي قبل أي شيء .. فإن فقدت هذا الايمان .. كل شيء سيهدم .. مادمت أعتبره أساسا ً أبني
    عليه بقيـّة معتقداتي ..:)

    ****

    الحلقة التي تحدثت عنها .. لقد شاهدتها أيضا ً .. ولا أبالغ إن قلت بأني افتقد مثل هذه الحلقات المحلية القديمة حاليا ً .. على الرغم من بساطتها وتواضع إخراجها
    إلا أني أجد فيها شيئا ً جماليا ً .. والدليل على ذلك .. حديث هذا عن مثل هذه الحلقة وما غرست في نفسك من أفكار ..

    موفق أخي الكريم

  4. Haythoo says:

    أهلاً و سهلاً بكِ من جديد أختي الكريمة ضحك…

    فعلاً, العجز هو عجز الأيمان و ليس العحز المادي.

    أقنعي تفسك بأنكِ قادرة على الصمود و ستصمدِ إن شاء الله

    =====

    فعلاً نحن نفتقد هذه الحلقات الجميلة, التي كنا نستفيد منها كثيراً…

    شكراً لكِ أختي على المرور اللطيف…

  5. عبير says:

    والله العجز موجود بس في عقولنا نحن…..صحيح الدنيا تقسو علينا كثيرا ولكن من واجبنا التعاون والتفكير بشكل ايجابي حتي نتخطي المحن والمشاكل ولا مستحيل تحت الشمس.

  6. عبير says:

    كلامك مضبوط يا هيثم الاعاقة علاجها الاراده